وقوله تعالى : من نطفة إذا تمنى أي : تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك مختص بآدم وحوّاء عليهما السلام، لأنهما ما خلقا من نطفة، وهذا أيضاً تنبيه على كمال القدرة لأنّ النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله [ الزخرف : ٨٧ ] وقال تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله [ لقمان : ٢٥ ].
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : وأنه خلق ولم يقل وأنه هو خلق كما قال تعالى : وأنه هو أضحك وأبكى أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم عليه السلام أنا أحيي وأميت فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى : وأنه هو أغنى وأقنى [ النجم : ٤٨ ] حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون : إنما أوتيته على علم عندي [ القصص : ٧٨ ] ولذلك قال : هو رب الشعرى [ النجم : ٤٩ ] فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني