وفجَّرنا الأرض عيوناً وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك : وفجرنا عيون الأرض، ومثله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : ٤ ] في إفادة العموم والشمول، فالتقى الماءُ أي : مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ :" الماءان "، أي : النوعان من الماء السمائي والأرضي. على أمر قد قُدِر أي : قُضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو : قدر أنّ الماءين يكون مقدارهما واحداً من غير تفاوت. قيل : كان ماء السماء بارداً كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال : إنّ الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بَقِيَ حارّاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الآية تسلية لمَن أُوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أُذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتفٍ، وإلاَّ فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحاً إشارة إلى القلب، وقومَه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير : كذبت النفسُ وجنودُها القلبَ، فيما يَرِدُ عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا : إنما هو مجنون فيما يُخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال : أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصِرْ لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهّارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قُدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرتْ به النفسُ وجنودُها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر ؟ فكيف كان عذابي لمَن استولت عليه النفس وجنودها ؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسَّرنا القرآن للذكر ؛ للاتعاظ، فهل من مُدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه ؟.