قوله : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا معناه أأنزل عليه الذكر، وهُو الوحي(١) «مِنْ بَيْنِنَا » حال من هاء «عليه »، أي ألقي عليه منفرداً من بيننا أي خصص بالرسالة من بين آلِ ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً. وهو استفهام بمعنى الإنكار.
قوله : بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ الأشِرُ البَطِرُ، يقال : أَشِرَ يأشَرُ أَشَراً فَهُو أشِرٌ كَفِرحَ، وآشِرٌ كَضَارِبٍ وأَشْرَانُ كَسَكْرَانَ، وأُشَارَى كَأُسَارَى.
وقرأ أبو قِلاَبَةَ : بل هو الكَذَّابُ الأَشَرُّ ، مَنِ الكَذَّابُ الأَشَرُّ ؟ بفتح الشين وتشديد الراء، جَعَلَهُمَا أفعلَ تَفْضِيلٍ. وهو شاذ، لأنه ( لم ) (٢) يحْذف الهمزة من لفظ الخَيْرِ والشّرّ في «أفعل » التفضيل، تقول : زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْ عَمْرو وشَرٌّ مِن بَكْرٍ(٣)، ولا تقول : أخْيَرُ ولا أَشَرّ إلاَّ في نُذُورٍ كهذه القراءة(٤) وكقول رؤبة :
| بِلاَلُ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ(٥) | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
فصل
( الأَشر ) (٧) التحيّر والنشاط، يقال : فَرَسٌ أَشِرٌ إذا كان مَرِحاً نَشِطاً. قال امرؤ القيس يصف كلباً :
| فَيُدْرِكُنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ | سَمِيعٌ بَصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ |
| أَلَصّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ | تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ(٨) |
وفي قراءة أبي قلابة بفتح الشين وتشديد الراء فالمعنى أَشَرُّنَا وأَخْبَثُنَا.
فإن قيل : قولهم : بل هو كذاب يستدعي أمراً مضروباً عنه فما هو ؟
فالجواب : قولهم : أألقي للإنكار فكأنهم قالوا : مَا ألقي، ثم إنَّ قولَهم : أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بِنبِيٍّ، وقول القائل : ليس بِنبي لا يلزم منه أنه كاذب فكأنهم قالوا ليس بنبي، ثم قالوا : بل هو ليس بصادقٍ(٩).
٢ زيادة لاستقامة المعنى والكلام..
٣ وقولهم في المؤنث: الخُورَى والشُّرَّى..
٤ وقد ذكر هذه القراءة وتعليقها أبو الفتح بن جني في المحتسب ٢/٢٩٩ وأبو حيان في البحر ٨/١٨٠ والزمخشري في الكشاف ٤/٣٩، بينما سكت عنها ابن خالويه في المختصر عند هذا الموضع..
٥ رجز مشطور نسب لرؤبة ولم أجده بديوانه بلفظه هذا. وما في الديوان بتصحيح وليم بن الورد مجموع أشعار العرب رؤبة بن العجاج:
| يا قاسم الخيرات وابن الأخير | .................... |
٦ نقل القراءتين البحر المحيط ٨/١٨٠ بينما نقل القراءة الثانية ابن جني في المحتسب ٢/٢٩٩..
٧ سقط من أ..
٨ من المتقارب له. والفغمُ المولَع بالصّيد الحريصُ عليه. والدّاجن: ألوف للصيد ونكرٌ: منكر عالم وقيل: كريه الصورة، والألصّ: الذي التصقت أسنانه بعضها إلى بعض، والأريب الذكيّ. والتّذبوع: التابع الأثر. والبيتان بعد واضحان. وشاهده: في أن الأشر معناه النشيط. وانظر الديوان ١٦٠ والقرطبي ١٧/١٣٨..
٩ قال بهذا السؤال والإجابة عليه الرازي معنى من التفسير الكبير ١٥/٢٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود