أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها، وقال مجاهد كما تقدم: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندقّ أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم.
وكانت الريح تنزع الناس، فتتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر. والأعجاز:
جمع عجز: وهو مؤخر الشيء، وكانت أشخاص عاد موصوفين بطول القامة، فشبّهوا بالنخل انكبت لوجوهها.
٤- كانت العاقبة على قوم عاد سوءا وشرا مستطيرا، يستدعي التفكير بكيفية عذاب الله وإنذاراته. وطريق فهم ذلك ميسر، فإن القرآن بما اشتمل عليه من العظات والعبر سهل يسير الاعتبار والاتعاظ، فهل من متعظ معتبر؟!
- ٣- قصة ثمود قوم صالح عليه السلام
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٣٢]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)
الإعراب:
أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ بَشَراً منصوب بتقدير فعل دل عليه نَتَّبِعُهُ تقديره:
أنتبع بشرا منا واحدا؟
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فِتْنَةً: إما مفعول لأجله، أو مصدر، منصوب على المصدرية. وقوله: وَاصْطَبِرْ أصله: اصتبر، على وزن: افتعل من الصبر، إلا أنهم أبدلوا من التاء طاء لتوافق الصاد في الإطباق.
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ كَهَشِيمِ: في موضع نصب، لأنه خبر كان، والْمُحْتَظِرِ:
بكسر الظاء وهو المشهور، أي المتخذ الحظيرة، وقرئ بفتحها الْمُحْتَظِرِ أي مكان الحظيرة.
البلاغة:
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ صيغة مبالغة على وزن فعال وفعل، أي كثير الكذب، عظيم البطر.
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ أي بالرسل جمع نذير بمعنى منذر أو بالإنذارات والمواعظ، فإنهم كذبوا بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح عليه السلام، وتكذيبه تكذيب لجميع الرسل، لاتفاقهم على أصول الدين. أَبَشَراً مِنَّا أي من جنسنا أو من جملتنا لا فضل له علينا. واحِداً منفردا لا تبع له، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة، وهو واحد منا، وليس بحاكم ولا ملك؟ أي لا نتبعه. إِنَّا إِذاً أي إنا إن اتبعناه. لَفِي ضَلالٍ خطأ وبعد عن الصواب. وَسُعُرٍ جنون، ومنه: ناقة مسعورة أي مجنونة.
الذِّكْرُ الوحي. عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي وفينا من هو أحق منه بذلك. بَلْ هُوَ كَذَّابٌ في أنه أوحي إليه. أَشِرٌ متكبر بطر، حمله بطره على الترفع علينا بادّعائه.
سَيَعْلَمُونَ غَداً أي عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة. مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ هو أو هم، أي الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق، وطلب الباطل.
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها وباعثوها. فِتْنَةً لَهُمْ اختبارا أو امتحانا لهم.
فَارْتَقِبْهُمْ فانتظرهم يا صالح وتبصر ما يصنعون. وَاصْطَبِرْ اصبر على أذاهم. قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ مقسوم بينهم وبين الناقة، يوم لهم ويوم لها. كُلُّ شِرْبٍ نصيب من الماء.
مُحْتَضَرٌ يحضره صاحبه في نوبته.
صاحِبَهُمْ قدار بن سالف أحيمر ثمود. فَتَعاطى اجترأ على تعاطي قتلها غير مبال بما يفعل، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. فَعَقَرَ ضرب قوائم الناقة بالسيف، فقتلها موافقة لهم. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟ أي كيف كان عقابي وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، المعنى: أن العذاب وقع موقعه.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً هي صيحة جبريل عليه السلام، والجملة بيان للعذاب المشار إليه في الجملة السابقة. كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ أي مثل المتهشم اليابس، المتكسر من الشجر، الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء، أي كهشيم الحظيرة. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ سهلنا القرآن للاتعاظ به. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متعظ.
المناسبة:
هذه قصة ثالثة أو أنموذج من تكذيب الأمم الخالية رسلها، فإن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم، فكذبوا نوحا وهودا وصالحا عليهم السلام فيما يدعيه من الوحي عن ربه، وكل من كذب رسولا كذب جميع الرسل لاتحادهم في أصول الاعتقاد والدين. وكانت معجزة صالح عليه السلام ناقة فريدة تشرب ماء نهير كله يوما، وتدر لبنا يكفي جميع القبيلة، بل يفيض عنهم، فقتلوها، فعاقبهم الله بعذاب الصيحة: صيحة جبريل عليه السلام، فبادوا عن آخرهم.
التفسير والبيان:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ كذبت قبيلة ثمود قوم صالح برسل الله الكرام، بتكذيبهم لرسولهم، وهو صالح، ومن كذب واحدا من الأنبياء، فقد كذب سائرهم، لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع وأصولها العامة، كتوحيد الله تعالى، وعبادته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ويلاحظ أنه في قصة نوح وقصة عاد قال: كَذَّبَتْ ولم يقل بالنذر، وفي هذه القصة وقصة قوم لوط قال: بِالنُّذُرِ والأمر سواء، لأن عادتهم التكذيب.
ثم أبان الله تعالى مظاهر تكذيبهم، فقال:
١- فَقالُوا: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ، إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أي إنهم قالوا فيما بينهم: كيف نتّبع بشرا من جنسنا، منفردا وحده، لا تبع له، ولا متابع له على ما يدعو إليه، لقد خبنا وخسرنا إن أطعنا واحدا منا، وإنا إذا اتبعناه نكون في خطأ واضح وبعد عن الحق والصواب، واتصفنا بالجنون أو أصابنا العذاب والعناء والشدة.
٢- أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ أي كيف خصّ من بيننا بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك منه، بل هو متجاوز في حد الكذب فيما يدعيه من نزول الوحي الإلهي عليه، ومتكبر بطر، حمله تكبره على الترفع علينا بادعائه الوحي.
فوجّه الله تعالى إليهم تهديدا شديدا ووعيدا أكيدا بقوله:
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أي سيعرفون عما قريب في المستقبل وقت نزول العذاب بهم في الدنيا، أو يوم القيامة، وسيتبين لهم من هو المفتري الكذب، الأبلغ في الشرارة، أصالح في تبليغ رسالة ربه، أم هم في تكذيبهم إياه؟ والمراد أنهم هم الكذابون البطرون المتكبرون.
ثم وصف الله تعالى جرمهم مخاطبا صالحا فقال:
- إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ أي إنا مخرجو الناقة العظيمة العشراء من صخرة صماء، كما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به، ولتكون امتحانا واختبارا لهم، فانتظر ما يؤول إليه أمرهم وما يصنعون واصبر عليهم وعلى ما يصيبك من الأذى منهم، فإن العاقبة لك والنصر في الدنيا والآخرة.
- وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ أي وأخبرهم أن ماء البئر أو النهير مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل حظ أو نصيب
من الماء يحضره صاحبه، ليأخذه في نوبته، فتشرب الناقة في يوم، ويشربون هم في يوم آخر، أو كل شرب محتضر فيه، يوم لها ويوم لهم، قال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون. وقال أيضا: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.
ونحو الآية: قالَ: هذِهِ ناقَةٌ، لَها شِرْبٌ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء ٢٦/ ١٥٥].
- فَنادَوْا صاحِبَهُمْ، فَتَعاطى فَعَقَرَ أي ولكن ثمود ملّوا هذه القسمة، وبادروا إلى التخلص من هذا الوضع كفرا وعنادا، فنادوا نداء المستغيث قدار بن سالف، وكان أشقى قومه، وأشجع وأهجم على الأمور، وحرضوه على عقر الناقة، فاجترأ على الأمر العظيم، وتعاطى أسباب العقر، فأهوى بسيفه على قوائم الناقة، فكسر عرقوبها، ثم نحرها.
- فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي فعاقبتهم، فانظر كيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي الذي ينذرهم ويخوفهم عذاب الله. ويلاحظ أن هذه الآية ذكرت في قصة ثمود قبل بيان العذاب للبيان، وفي قصة نوح بعد بيان العذاب للتهويل والتعظيم، وفي قصة عاد قبل بيان العذاب وبعد بيانه، للجمع بين الأمرين.
- إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً، فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ أي إنا أرسلنا عليهم صيحة جبريل، فصاح بهم، فبادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وجمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، وصاروا كالعشب أو فتات الشجر اليابس الذي جمعه الراعي المحتظر في الحظيرة إذا داسته الغنم بعد سقوطه.
والهشيم: الشجر اليابس المتهشم، أي المتكسر، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة ليحفظ الغنم من الذئاب. ووجه التشبيه: أن ما يحتظر به ييبس بطول
الزمان وتطؤه البهائم فيتكسر، وأنهم صاروا موتى جاثمين، ملقى بعضهم فوق بعض، كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
- وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي ولقد سهلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، والاعتبار بالأحداث والوقائع، فهل من متعظ؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١- كذبت قبيلة ثمود كغيرها الرسل ونبيهم، وكذبوا بالآيات التي جاء بها، وأنكروا أن ينبأ بشر كائن منهم منفرد لا أتباع له، وزعموا أنهم إن اتبعوه كانوا في خطأ وذهاب عن الصواب، وجنون وعناء.
٢- وقالوا على طريق الاستفهام المراد به الإنكار: كيف خصص بالرسالة من بين آل ثمود، وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا؟ بل هو كذاب فيما يدّعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق.
٣- هددهم الله بأنه سيحل بهم العذاب في الدنيا، والعذاب يوم القيامة.
وقوله: سَيَعْلَمُونَ غَداً.. على التقريب، على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. وهذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم:
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ أو أنه تهديد بالتعذيب يوم القيامة. وسيتبين لهم من هو الكذاب الأشر، أهو صالح عليه السلام أم هو؟
٤- أخرج الله لهم ناقة عظيمة من الهضبة التي سألوها، روي أن صالحا صلى ركعتين، ودعا، فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء. وكان ذلك ابتلاء واختبارا لهم. ومعنى قوله: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ:
إنا نرسل، وهو بمعنى المستقبل في ذلك الزمان الذي تم فيه الإرسال. وكون الناقة فتنة: أن أوضاعها الغريبة اختبار.
٥- أمر الله تعالى نبيه صالحا عليه السلام بأوامر ثلاثة: انتظر ما يصنعون، واصبر على أذاهم، وأخبرهم أن الماء مقسوم بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم. قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه، فلم تبق لهم شيئا.
أي أنهم يوم شربها أو وردها الماء يحتلبون منها ما شاؤوا.
٦- ملّوا هذه القسمة، فحرضوا صاحبهم قدار بن سالف أشقى ثمود على عقرها، فعقرها، بأن رماها بسهم، ثم ضرب قوائمها بالسيف، ثم نحرها.
٧- عاقبهم الله جزاء تكذيبهم وكفرهم برسولهم صالح، واعتدائهم على الناقة، فأرسل عليهم صيحة واحدة من جبريل عليه السلام، فلما سمعوا الصيحة ماتوا، وبادوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وأصبحوا كهشيم المحتظر، قال ابن عباس: المحتظر: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. وعنه: كحشيش تأكله الغنم، أو كالعظام النخرة المحترقة. وقوله: فَكانُوا فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال.
٨- المتأمل ينظر بما آل إليه هؤلاء القوم من إبادة وعذاب أصبحوا مثلا وعبرة للتاريخ.
٩- يسهل على كل إنسان إدراك هذه الحقيقة من القرآن الذي أخبر عن هذه المحنة الأليمة، فهو كتاب سهل المأخذ، يسر الله به فهم المواعظ والعبر، فهل من متعظ معتبر؟! والتكرار للتذكار والتأكيد.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي