ﭫﭬ

قوله : وَحُورٌ عِينٌ .
قرأ الأخوان(١) : بجرّ «حُورٍ عينٍ ».
والباقون : برفعهما.
والنخعي(٢) :«وحيرٍ عينٍ » بقلب الواو ياء وجرهما.
وأبيّ وعبد(٣) الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ :«وحُوراً عيناً » بنصبهما.
فأما الجر فمن أوجه(٤) :
أحدها : أنه عطف على «جنَّات النَّعيم » كأنه قيل : هم في جنات وفاكهة ولحم وحور ؛ قاله الزمخشري(٥).
قال أبو حيان(٦) :«وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم(٧) أعجمي ».
قال شهاب الدين(٨) :«والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي : وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف ».
وقال الفرَّاء(٩) : الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى ؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ.
قال الشاعر :[ الوافر ]

إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا(١٠)
والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل.
وقال آخر :[ مجزوء الكامل ]
ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا(١١)
الثاني : أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ »، وذلك بتجوّز في قوله :«يَطُوفُ » ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري.
الثالث : أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول ؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب.
ولا التفات إلى قول أبي البقاء : عطفاً على «أكْوَاب » في اللَّفظ دون المعنى ؛ لأن الحور لا يُطافُ بها.
وأما الرَّفْع فمن أوجه :
أحدها : عطفاً على «ولْدَان ».
أي : أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا.
وقال أبو البقاء(١٢) :«أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة ».
قال شهاب الدين(١٣) :«وهو للخدمة أبلغ ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات ».
الثاني : أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين »، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما.
الثالث : أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره :«لهم هذا كله وحور عين » قاله أبو حيَّان(١٤).
وفيه نظر ؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه.
الرابع : أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره : ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور(١٥).
وقال الزمخشري(١٦) :«عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب ».
يريد : كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ :[ الكامل ]
بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء
ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ(١٧)
عطف «مشجج » وهو مرفوع على «رواكد »، وهو منصوب.
الخامس : أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي : نساؤهم حور. قاله أبو البقاء(١٨).
قال الكسائي : ومن قال :«وحُورٌ عينٌ » بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ » ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها.
وأما النصب ففيه وجهان :
أحدهما : أنه منصوب بإضمار فعل، أي : يعطون، أو يؤتون حوراً.
والثاني : أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ » ؛ لأن معناه : يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه.
وقال مكي(١٩) :«ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى ؛ لأن معنى «يطوف عليهم ولدان » بكذا وكذا، أي : يعطون كذا وكذا، ثم عطف «حوراً » على معناه »، فكأنه لم يطلع [ على أنها ](٢٠) قراءة.
وأمَّا قراءة :«وحِيرٍ » فلمُجاورتها «عِين »، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم :«أخذه ما قدُم وما حدُث » - بضم دال - «حدُث » لأجل «قَدُم »، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط.
وقوله عليه الصلاة والسلام :«ورَبَّ السَّماواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن »(٢١).
[ وقوله :«أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب »(٢٢)، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ ] (٢٣).
وقرأ قتادة(٢٤) :«وحورُ عِينٍ » بالرفع والإضافة ل «عين ».
وابن مقسم(٢٥) : بالنَّصب والإضافة.
وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب.
وأما بالإضافة : فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً(٢٦).
وقرأ عكرمة(٢٧) :[ «وحَوْرَاء عَيْنَاء » بإفرادهما على إرادة الجنس ] (٢٨).
وهذه القراءة تحتمل وجهين(٢٩) :
أحدهما : أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ.
وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين ؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين.
وتقدم الكلام في اشتقاق العين.
«كأمْثَال » : صفة، أو حال.
و«جزاءً » : مفعول من أجله، أو مصدر، أي : يحزون جزاء.

فصل في تفسير الآية


قال المفسرون :«حورٌ » بيض، «عينٌ » ضخام الأعين.
١ ينظر: السبعة ٦٢٢، والحجة ٦/٢٥٥، وإعراب القراءات ٢/٣٤٢، وحجة القراءات ٦٩٥، والعنوان ١٨٥، وشرح شعلة ٥٩٦، وشرح الطيبة ٦/٣٥، وإتحاف ٢/٥١٥..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٠٦، والدر المصون ٦/٢٥٧..
٣ ينظر: معاني القرآن للفراء ٣/١٢٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣/٣٢٤، والمحتسب ٢/٣٠٩، وإعراب القراءات ٢/٣٤٢، والمحرر الوجيز ٥/٢٤٢، والبحر المحيط ٨/٢٠٦، والدر المصون ٦/٢٥٧..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٧..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٤٦٠..
٦ البحر المحيط ٨/٢٠٦..
٧ في أ: كلام..
٨ الدر المصون ٦/٢٥٧..
٩ ينظر: معاني القرآن ٥/١١١..
١٠ تقدم..
١١ تقدم..
١٢ الإملاء ١٢٠٤..
١٣ الدر المصون ٦/٢٥٧..
١٤ البحر المحيط ٨/٢٠٦..
١٥ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٧..
١٦ الكشاف ٤/٤٦٠..
١٧ نسب البيتان لذي الرمة، وللشماخ.
ينظر ملحق ديوان ذي الرمة ص ١٨٤٠، ١٨٤١، وملحقات ديوان الشماخ ص ٤٢٧، ٤٢٨، والكتاب ١/٢٧٣، ١٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/٣٩٦، والإيضاح الشعري لأبي علي الفارسي ص ٥٧٨، وأساس البلاغة ص ٢٢٩ (شجج)، وص ٤٣٣ (معز) واللسان (شجج)، وتاج العروس ٦/٥٦ (شجج) وخزانة الأدب ٥/١٤٧، والكشاف ٤/٥٤، والدر المصون ٦/٢٥٧..

١٨ ينظر: الإملاء ٢/١٢٠٤..
١٩ ينظر: المشكل ٢/٧١٢..
٢٠ في ب: عليها..
٢١ أخرجه الترمذي (٥/٥٠٣) كتاب الدعوات، باب: (٩١) حديث (٣٥٢٣) من حديث بريدة.
وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي ويروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا من غير هذا الوجه..

٢٢ أخرجه البزار (٣٢٧٣ - كشف) من حديث ابن عباس والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٢٣٧) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وينظر: النهاية في غريب الحديث ١/٤٥٦، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/٢٥٠..
٢٣ سقط من ب..
٢٤ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٠٦، والدر المصون ٦/٢٥٨..
٢٥ السابق..
٢٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٨..
٢٧ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٠٦، والدر المصون ٦/٢٥٨..
٢٨ سقط من ب..
٢٩ الدر المصون ٦/٢٥٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية