أأنتم أنشأتم شجرتَهَا التي بها الزناد، وهي المرْخ والعَفَار، أم نحن المنشئون الخالقون لها ابتداءً بقدرتنا ؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المُعْرِب عن كمال القدرة والحكمة ؛ لِما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعَفَار، كما أنّ التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : ١٤ ] كذلك.
أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي : تُنبتونه حتى يُقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون ؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباءً منثوراً، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون : إنّا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقّه الشيخُ لروح المريد، كما يزق الطيرُ أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزِلون ؟ لو نشاء جعلناه أُجاجاً فَتَمجه الروحُ بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تُورون ؛ تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون ؟ نحن جعلناها تذكرة، أي : إيقاظاً توقظ صاحبها ليلتجئ إلى مولاه، وفي الحِكَم :" وحرَّك عليك النفس ليُديم إقبالك عليه "، وجعلناها متاعاً للسائرين ؛ إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول : أما أنا فجزاها علي خيراً، ما ربحت إلاّ منها.
وقال القشيري : أفرأيتم النار... الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدّس الله سره - حين سُئل عن حقيقة المحبة، فقال : هي العناية الإلهية السرمدية، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جعلناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهتدوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعاً للمُقوين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياماً وليالي من الطعام والشراب، كما رُوي عن سهل التستري : أنه كان يطوي ثلاثين يوماً، وعن أبي عقيل المغربي : أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. هـ.
وقوله تعالى : فسبِّح باسم ربك العظيم قال الورتجبي : أَمَرَه أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال : والاسم والمسمى واحد، أي : قدسني بي فإني أعظم من أن تُقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله : العظيم أي : عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصِفه البرية. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي