ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

قوله تعالى : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
تقدم للشيخ رحمه الله كلام على معنى التسبيح عند قوله تعالى : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء : ٧٩ ].
وقال رحمه الله : التسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وساق رحمه الله النصوص في تسبيح المخلوقات جميعها.
وقال في آخر المبحث : والظاهر أن قوله تعالى : وَكُنَّا فَاعِلِينَ مؤكد لقوله تعالى : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة [ من الجزء الرابع وذكر عند أول سورة الحديد زيادة لذلك ].
وفي مذكرة الدراسة مما أملاه رحمه الله في فصل الدراسة على أول سورة الجمعة : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ الجمعة : ١ ] قال : التسبيح التنزيه، وما التي لغير العقلاء، لتغلب غير العقلاء لكثرتهم، وكان يمكن الاكتفاء بالإحالة على ما ذكره رحمه الله تعالى، إلا أن الحاجة الآن تدعو إلى مزيد بيان بقدر المستطاع، لتعلق المبحث بأمر بالغ الأهمية، ونحن اليوم في عصر تغلب عليه العلمانية والمادية، فنورد ما أمكن أملاً في زيادة الإيضاح.
إن أصل التسبيح من مادة سبح، والسباحة والتسبيح مشتركان في أصل المادة، فبينهما اشتراك في أصل المعنى، والسباحة في الماء ينجو بها صاحبها من الغرق، وكذلك المسبح لله والمنزه له ينجو من الشرك ويحيا بالذكر والتمجيد لله تعالى.
وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي : سبح لله كما جاء في أول سورة الحديد.
قال أبو حيان عندها : لما أمر الله تعالى الخلق بالتسبيح في آخر سورة الواقعة، يعني في قوله تعالى : إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : ٩٥ -٩٦ ] جاء في أول السورة التي تليها مباشرة بالفعل الماضي، ليدل على أن التسبيح المأمور به قد فعله. والتزم به كل ما في السماوات والأرض ا ه.
ومعلوم أن الفعل قد جاء أيضاً بصيغة المضارع كما في آخر هذه السورة : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الحشر : ٢٤ ]، وفي أول سورة الجمعة : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ الجمعة : ١ ]، وفي أول سورة التغابن : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ [ التغابن : ١ ]، وهذه الصيغة تدل على الدوام والاستمرار.
بل جاء الفعل بصيغة الأمر : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى [ الأعلى : ١ ]، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : ٧٤ ].
وجاءت المادة بالمصدر : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [ الإسراء : ١ ]، فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : ١٧ ]، ليدل ذلك كله بدوام واستمرار التسبيح لله تعالى من جميع خلقه، كما سبح سبحانه نفسه، وسبحته ملائكته ورسله، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.
وما في قوله تعالى : مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ من صيغ العموم، وأصل استعمالها لغير العقلاء، وقد تستعمل للعاقل إذا نزل غير العاقل، كما في قوله تعالى : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ [ النساء : ٣ ]، ومجيئها هنا لغير العاقل تغليباً له لكثرته كما تقدم، فتكون شاملة للعاقل من باب أولى.
ومما يلفت النظر أن التسبيح الذي في معرض العموم كله في القرآن مسند إلى " ما " " دون " من " إلا في موضع واحد، هو قوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ [ الإسراء : ٤٤ ]، وهذا شاهد على شمول ما وعمومها المتقدم ذكرها، لأنه سبحانه أسند التسبيح أولاً إلى السماوات السبع والأرض صراحة بذواتهن، وهن من غير العقلاء بما في كل منهن من أفلاك وكواكب وبروج، أو جبال ووهاد وفجاج، ثم عطف على غير العقلاء بصيغة " من " الخاصة بالعقلاء فقال : وَمَن فِيهِنَّ ، وإن كانت " من "، قد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلن منزلة العقلاء كما في قول الشاعر :

أسرب القطا هل من يعير جناحه ؟ لعلي إلى من قد هويت أطير
وبهذا شمل إسناد التسبيح لكل شيء في نطاق السماوات والأرض، عاقل وغير عاقل. وقد أكد هذا الشمول بصريح قوله تعالى : وَإِن مِّن شيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ [ الإسراء : ٤٤ ]، وكلمة " شيء " أعم العمومات، كما في قوله تعالى : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شيء [ الزمر : ٦٢ ]، فشملت السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن والطير والحيوان والنبات والشجر والمدر، وكل مخلوق لله تعالى.
وقد جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة إثبات التسبيح من كل ذلك كل على حدة.
أولاً : تسبيح الله تعالى نفسه : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [ الإسراء : ١ ]، فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [ الروم : ١٧ -١٨ ]، لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الأنبياء : ٢٢ ].
ثانياً : تسبيح الملائكة وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ البقرة : ٣٠ ] وقوله : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الزمر : ٧٥ ].
و يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : ٢٠ ].
ثالثاً : تسبيح الرعد : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [ الرعد : ١٣ ].
رابعاً : تسبيح السماوات السبع والأرض، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ [ الإسراء : ٤٤ ].
خامساً : تسبيح الجبال : إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشي وَالإِشْرَاقِ [ ص : ١٨ ].
سادساً : تسبيح الطير : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ [ الأنبياء : ٧٩ ].
سابعاً : تسبيح الإنسان : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ [ الحجر : ٩٨ ]، فَسَبِّحْ اسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم [ الواقعة : ٧٤ ]، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً [ مريم : ١١ ].
فهذا إسناد التسبيح صراحة لكل هذه العوالم مفصلة ومبينة واضحة.
وجاء مثل التسبيح، ونظيره وهو السجود مسنداً لعوالم أخرى وهي بقية ما في هذا الكون من أجناس وأصناف في قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ [ الحج : ١٨ ].
ويلاحظ هنا أنه تعالى أسند السجود أولاً لمن في السماوات ومن في الأرض و " من " هي للعقلاء أي الملائكة والإنس والجن، ثم عطف على العقلاء غير العقلاء بأسمائهن من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهذا شمول لم يبق كائن من الكائنات ولا ذرة في فلاة إلا شمله.
وبعد بيان هذا الشمول والعموم، يأتي مبحث العام الباقي على عمومه، والعام المخصوص، وهل عموم " ما " هنا باق على عمومه أم دخله تخصيص ؟ .
قال جماعة من العلماء منهم ابن عباس، إن العموم باق على عمومه، وإن لفظ التسبيح محمول على حقيقته في التنزيه والتحميد.
وقال قوم : إن العموم باق على عمومه لم يدخله خصوص، ولكن التسبيح يختلف، ولكل تسبيح بحسبه، فمن العقلاء بالذكر والتحميد والتمجيد كالإنسان والملائكة والجن، ومن غير العاقل سواء الحيوان والطير والنبات والجماد، فيكون بالدلالة بأن يشهد على نفسه، ويدل على أن الله تعالى خالق قادر.
وقال قوم : قد دخله التخصيص.
ونقل القرطبي عن عكرمة، قال : الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان : أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد ؟ فقال : قد كان يسبح مرة. يريد أن التسبيح من الحي أو النامي سواء الحيوان أو النبات وما عداه فلا. وقال القرطبي : ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما من وضع الجريد الأخضر على القبر، وقوله صلى الله عليه وسلم فيه : " لعله يحفف عنهما ما لم ييبسا ". أي بسبب تسبيحهما، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما ا ه.
والصحيح من هذا كله الأول الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي يشهد له القرآن الكريم لعدة أمور :
أولاً : لصريح قوله تعالى : وَإِن مِّن شيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : ٤٤ ].
ثانياً : أن الحامل لهم على القول بتسبيح الدلالة، هو تحكيم الحس والعقل، حينما لم يشاهدوا ذلك ولم تتصوره العقول، ولكن الله تعالى نفى تحكيم العقل الحسي هنا، وخطر على العقل بقوله تعالى : وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : ٤٤ ].
ثالثاً : قوله تعالى في حق نبي الله داود عليه السلام : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ [ الأنبياء : ٧٩ ] وقوله تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِي وَالإِشْرَاقِ [ ص : ١٨ ]، فلو كان تسبيحها معه تسبيح دلالة كما يقولون، لما كان لداود عليه السلام خصوصية على غيره.
رابعاً : أخبر الله تعالى أن لهذه العوالم كلها إدراكاً تاماً كإدراك الإنسان أو أشد منه، قال تعالى عن السماوات والأرض والجبال : إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [ الأحزاب : ٧٢ ]، فأثبت تعالى لهذه العوالم إدراكاً وإشفاقاً من تحمل الأمانة، بينما سجل على الإنسان ظلماً وجهالة في تحمله إياها، ولم يكن هذا العرض مجرد تسخير، ولا هذا الإباء مجرد سلبية، بل عن إدراك تام، كما في قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [ فصلت : ١١ ]، فهما طائعتان لله، وهما يأبين أن يحملن الأمانة إشفاقاً منها.
وفي أواخر هذه السورة الكريمة سورة الحشر، قوله تعالى :{ لَوْ أَنزَلْنَا هَذ

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1