قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المشاقة العصيان، ومنه شق العصا، والمخالفة.
وهذا يدل على أن الله تعالى أوقع ما أوقعه ببني النضير من إخراجهم من ديارهم وتخريب بيوتهم، بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، وأن المشاقة المذكورة هي علة العقوبة الحاصلة بهم، ولا شك أن مشاقة الله ورسوله من أعظم أسباب الهلاك.
وفي الآية مبحث أصولي مبني على أن المشاقة قد وقعت من غير اليهود، فلم تقع بهم تلك العقوبة كما وقع من المشركين المنصوص عليها في قوله تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [ الأنفال : ١٢ ]، وهذا في بدر قطعاً، ثم قال : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الحشر : ٤ ]، ولما قدر صلى الله عليه وسلم على أهل مكة لم يوقع بهم ما أوقع باليهود من قتل، بل قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء. فوجد الوصف الذي هو المشاقة الذي هو علة الحكم، ولم يوجد الحكم الذي هو الإخراج من الديار وتخريب البيوت.
قال الفخر الرازي : فإن قيل : لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال : أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب، ومعلوم أنه ليس كذلك : قلنا : هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها ا ه.
وقد بحث الشيخ رحمه الله هذه المسألة في آداب البحث والمناظرة، وفي مذكرة الأصول في مبحث النقض، وعنون له في آداب البحث بقوله : تخلف الحكم ليس بنقض سواء لوجود مانع أو تخلف شرط.
ومثل لتخلف الحكم بوجود مانع بقتل الوالد ولده عمداً، مع عدم قتله قصاصاً به، لأن علة القصاص موجودة، وهي القتل العمد، والحكم وهو القصاص متخلف.
ومثل لتخلف الشرط بسرقة أقل من نصاب أو من غير الحرز.
ثم قال : النوع الثالث : تخلف حكمها عنها لا لسبب من الأسباب التي ذكرنا، ومثل له بعضهم بقوله تعالى : وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [ الحشر : ٣ ] قالوا : فهذه العلة، التي هي مشاقة الله ورسوله، قد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حكمها عنها، وهذه الآية الكريمة تؤيد قول من قال : إن النقض في فن الأصول تخصيص للعلة مطلقاً، لا نقض لها، وعزاه في مراقي السعود للأكثرين في قوله في مبحث القوادح في الدليل في الأصول :
| منها وجود الوصف دون الحكم | سماه بالنقض وعاة العلم |
إلى قوله :
| ولست فيما استنبطت بضائر | إن جاء لفقد شرط أو لمانع |
*ذو فترة بالفرع لا يراع*
وتكلم على حكم أهل الفترة، ثم على تخصيص بعض الآيات، ومن ثم إلى تخصيص العلة.
وجاء في هذا المخطوط ما نصه : ورجح الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الحشر أن تخصيص العلة كتخصيص النص مطلقاً، مستدلاً بقوله تعالى : وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ [ الحشر : ٣ ] الآية، وقد فعل ذلك غير بني النضير، فلم يفعل لهم مثل ما فعل لهم والله أعلم ا ه.
إلا أني طلبت هذا الترجيح في ابن كثير عند الآية، فلم أقف عليه فليتأمل، ولعله في غير التفسير.
أما ما ذكره رحمه الله تعالى عن بعض في آداب البحث والمناظرة، وهو أنه : قد يتخلف الحكم عن العلة، لا لشيء من الأسباب التي ذكرنا، فالذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن تخلف الحكم عن العلة في غير اليهود، وإنما هو لتخلف جزء منها، وأن العلة مركبة، أي هي في اليهود مشاقة وزيادة، تلك الزيادة لم توجد في غير اليهود، فوقع الفرق، وذلك أن مشاقة غير اليهود كانت لجهلهم وشكهم، كما أشار تعالى لذلك عنهم بقوله تعالى : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحييِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : ٧٩ ] إلى آخر السورة، فهم في حاجة إلى زيادة بيان، وكذلك في قوله في أول سورة ص : وَعَجِبُواْ أَن جَآءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ أَأنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِى [ ص : ٤ -٨ ].
فهم في عجب ودهشة واستبعاد أن ينزل عليه صلى الله عليه وسلم الذكر من بينهم، وهم في شك من أمرهم، فهم في حاجة إلى إزالة الشك والتثبت من الأمر، ولذا لما زال عنهم شكهم وتبينوا من أمرهم، وراحوا يدخلون في دين الله أفواجاً، بينما كان كفر اليهود جحود بعد معرفة، فكانوا يعرفونه صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : ١٤٦ ]، وقد سمي لهم فيما أنزل كما قال عيسى عليه السلام : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : ٦ ] فلم ينفعهم بيان، ولكنه الحسد والجحود كما بين تعالى أمرهم بقوله عنهم : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ البقرة : ١٠٩ ] وقوله : وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [ آل عمران : ٦٩ ]، وقوله : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : ٧٥ ]، وقوله : يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [ آل عمران : ٧١ ].
فقد كانوا جبهة تضليل الناس، وتحريف للكتاب. وتلبيس للحق بالباطل. كل ذلك عن قصد وعلم، بدافع الحسد ومناصبة العداء وخصم هذا حاله فلا دواء له، لأن المدلس لا يؤمن جانبه، والمضلل لا يصدق، والحاسد لا يشفيه إلا زوال النعمة عن المحسود، ومن جانب آخر فقد قطع الله الطمع عن إيمانهم أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : ٧٥ ] كما أيأس من إيمانهم بعد إقرارهم على أنفسهم بتغلف قلوبهم عن سماع الحق ورؤية النور : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : ٨٨ ].
وكل هذه الصفات لم تكن موجودة في كل من شاق الله ورسوله من غير اليهود، وقد صرح تعالى بأنهم استحقوا هذا الحكم للأسباب التي اختصوا بها دون غيرهم في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ علَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : ٨٤ -٨٥ ].
فكل ذلك من نقض الميثاق، والغدر في الصلح، وسفك الدماء، والتظاهر بالإثم والعدوان، والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، كان خاصاً باليهود، فكانت العلة مركبة من المشاقة. ومن هذه الصفات التي اختصوا بها، وكان الحكم صريحاً هنا بقوله عنهم : فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ [ البقرة : ٨٥ ].
وكان خزيهم في الدنيا : هو ما وقع بهم من إخراج وتخريب وتقتيل.
وإن من كانت هذه حاله كما تقدم، لم يكن لهم الاستئصال الكلي بإخراجهم أو تقتيلهم، فلم يعد يصلح فيهم استصلاح ولا يتوقع منهم صلاح، ويكفي شاهداً على ذلك أن بني قريظة لم يتعظوا، ولم يستفيدوا ولم يعتبروا كما أمرهم الله : فَاعْتَبِرُواْ يا أُوْليَ الأَبْصَارِ [ الحشر : ٢ ].
ما اتعظ بنو قريظة بما وقع بإخوانهم بني النضير، فلجؤوا بعد عام واحد إلى ما وقع فيه بنو النضير من غدر وخيانة، فكان اختصاص اليهود بالحكم لتلك العلة المشتركة، لأنهم وإن شاركهم غيرهم في المشاقة فلم يشاركهم غيرهم في الجانب الآخر مما قدمنا من دوافع المشاقة.
وللدوافع تأثير في الحكم، كما في قصة آدم وإبليس. فقد اشترك آدم وإبليس في عموم علة العصيان، إذ نهي آدم عن قربان الشجرة، وأمر إبليس بالسجود لآدم مع الملائكة، فأكل آدم مما نُهِي عنه، وامتنع إبليس عما أمر به فاشتركا في العصيان كما قال تعالى عن آدم : وَعَصَى ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [ طه : ١٢١ ]، وقال عن إبليس : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : ١٢ ]، ولكن السبب كان مختلفاً، فآدم نسي ووقع تحت وسوسة الشيطان فخدع بقسم إبليس بالله تعالى وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : ٢١ ]، وكانت معصية عن إغواء ووسوسة فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ [ البقرة : ٣٦ ].
أما إبليس، فكان عصيانه عن سبق إصرار، وعن حسد واستكبار كما قال تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ البقرة : ٣٤ ]، ولما خاطبه الله تعالى بقوله : قَالَ يا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ ص : ٧٥ ] قال في إصراره وحسده وتكبره : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [ ص : ٧٦ ].
فاختلفت الدوافع، وكان لدى إبليس ما ليس لدى آدم في سبب العصيان وبالتالي اختلفت النتائج، فكانت النتيجة مختلفة تماماً. أما آدم فحين عاتبه على أكله من الشجرة في قوله تعالى : وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [ الأعراف : ٢٢ ] رجعا حالاً واعترفا بذنبهما قائلين :{ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان