قَالَ تَعَالَى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (١٤٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) : فِي نَصْبِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جَنَّاتٍ؛ أَيْ: وَأَنْشَأَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، وَحُذِفَ الْفِعْلُ، وَحَرْفُ الْعَطْفِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَهُ: كُلُوا ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِكُلُوا، تَقْدِيرُهُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، وَلَا تُسْرِفُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. وَالرَّابِعُ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ «حَمُولَةً وَفَرْشًا». وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً.
(مِنَ الضَّأْنِ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَ (اثْنَيْنِ) : بَدَلٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الثَّمَانِيَةِ. وَ (الْمَعْزِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (آلذَّكَرَيْنِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «حَرَّمَ»، وَكَذَلِكَ «أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» ؛ أَيْ: أَمْ حَرَّمَ الْأُنْثَيَيْنِ. (أَمَّا اشْتَمَلَتْ) : أَيْ أَمْ حَرَّمَ مَا اشْتَمَلَتْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٤٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) : أَمْ مُنْقَطِعَةٌ؛ أَيْ: بَلْ أَكُنْتُمْ.
وَ (إِذْ) : مَعْمُولُ «شُهَدَاءَ».
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَطْعَمُهُ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِطَاعِمٍ،
وَيُقْرَأُ: «يَطَّعِمُهُ» بِالتَّشْدِيدِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَالْأَصْلُ يَتَطَعَّمُهُ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً، وَأُدْغِمَتْ فِيهَا الْأُولَى.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ؛ أَيْ: لَا أَجِدُ مُحَرَّمًا إِلَّا الْمِيتَةَ، وَيُقْرَأُ يَكُونُ بِالْيَاءِ، وَ (مَيْتَةً) : بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْكُولُ مَيْتَةً أَوْ ذَلِكَ...
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَأْكُولَةُ مَيْتَةً.
وَيُقْرَأُ بِرَفْعِ الْمَيْتَةِ عَلَى أَنْ «تَكُونَ» تَامَّةً، إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ مَنْصُوبٌ.
(أَوْ فِسْقًا) : عُطِفَ عَلَى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ رِجْسٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (١٤٦).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ، وَيُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْإِسْكَانِ. (وَمِنَ الْبَقَرِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «كُلَّ»، وَجُعِلَ (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) : تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِنَ الْبَقَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنَ الْبَقَرِ» مُتَعَلِّقًا بِحَرَّمْنَا الثَّانِيَةِ.
(إِلَّا مَا حَمَلَتْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْتِثْنَاءً مِنَ الشُّحُومِ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي