قوله : قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً .
في نصب «رسولاً » أوجه :
أحدها : قال الزجاج١ والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله ؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل : أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله [ الفتح : ٢٩ ]، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [ البلد : ١٤، ١٥ ].
وقول الآخر :[ الوافر ]
٤٧٨٣ - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ***أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ٢
الثاني : أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال : قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو.
الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره : أنزل ذا ذكر رسولاً.
الرابع : كذلك، إلا أن «رسولاً » نعت لذلك المحذوف.
الخامس : أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول.
السادس : أن يكون «رَسُولاً » نعتاً ل «ذِكْراً » أو على حذف مضاف، أي : ذكراً ذا رسول، و «ذا » رسول نعتاً ل «ذِكْراً ».
السابع : أن يكون «رسولاً » بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً » بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم » لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز.
الثامن : أن يكون «رَسُولاً » منصوب بفعل مقدر، أي : أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه.
قال البغوي٣ : كأنه قيل : أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً.
وقيل : مع رسول.
التاسع : أن يكون منصوباً على الإغراء : أي : اتبعوا وألزموا رسولاً هذه صفته.
فصل في قوله : رسولاً
اختلف الناس في «رسولاً »، هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن نفسه أو جبريل.
قال الزمخشري٤ :«هو جبريل أبدل من " ذكرا " ً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه ».
قال أبو حيَّان٥ :«ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال ». انتهى.
قال شهاب الدين٦ :«وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم ؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه ».
وقرئ٧ :«رسول » بالرفع على إضمار مبتدأ، أي : هو رسول.
وقيل : الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : ١٠ ] وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : ٤٤ ] ثم بين الشرف فقال :«رَسُولاً »، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال الكلبي : هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين٨.
قوله : يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله . نعت ل «الرسول »، و «آيَاتِ اللَّهِ » القرآن. و «مبيِّنَاتٍ » قرأ العامة : بفتح الياء، أي : يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ [ آل عمران : ١١٨ ].
وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي : بكسرها، أي : يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام.
قوله : لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور . الجار متعلق إما ب «أنزل » وإما ب «يتلو ».
وفاعل «يخرج » إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر.
والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله.
وقوله : مِنَ الظلمات إِلَى النور . أي : من الكفر إلى الهدى والإيمان.
قال ابن عباس : نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول ؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته٩.
قوله : وَمَن يُؤْمِن . هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً.
قوله : يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ قرأ نافع وابن عامر١٠ : بالنون، والباقون : بالياء.
وقوله :«خَالِدينَ ». قال بعضهم : ليس قوله «خالدين » فيه ضمير عائد على «من » إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ » و «خَالِدينَ » حال منه والعامل فيه «يدخله » لا فعل الشَّرط.
هذه عبارة أبي حيَّان١١.
وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ » حال من مفعول «يُدْخلهُ » عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال : حال من مفعول «يُدْخِلهُ » الثاني وهو «جنَّاتٍ ». والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال :«خالدين هم فيها » لجريان الوصف على غير من هو له.
قوله : قَدْ أَحْسَنَ الله . حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ »، فتكون متداخلة. ومعنى قوله : قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً ، أي : وسَّع له في الجنَّات.
٢ تقدم..
٣ ينظر: معالم التنزيل ٤/٣٦١..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٥٦٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٢..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣٣٢..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٥٦١، والبحر المحيط ٨/٢٨٣، والدر المصون ٦/٣٣٢..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
١٠ ينظر: إعراب القراءات ٢/٣٧٣، والعنوان ١٩٢، وحجة القراءات ٧٧١٢..
١١ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود