ﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ ﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

(٢٤)
إِعَادَةُ فِعْلِ قُلْ مِنْ قَبِيلِ التَّكْرِيرِ الْمُشْعِرِ بِالْاهْتِمَامِ بِالْغَرَضِ الْمَسُوقَةِ فِيهِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ.
وَالذَّرْءُ: الْإِكْثَارُ مِنَ الْمَوْجُودِ، فَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك:
٢٣] أَيْ هُوَ الَّذِي كَثَرَّكُمْ عَلَى الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: ٦١] أَيْ أَعْمَرَكُمْ إِيَّاهَا.
وَالْقَوْلُ فِي صِيغَةِ الْقَصْرِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ. مِثْلُ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَكْثَرَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ يُزِيلُكُمْ بِمَوْتِ الْأَجْيَالِ فَكُنِّيَ عَنِ الْمَوْتِ بِالْحَشْرِ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُواْ أَنَّ الْحَشْرَ الَّذِي أُنْذِرُواْ بِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْثِ وَالْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْكِنَايَةُ عَنِ الْمَوْتِ بِالْحَشْرِ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِنَ الْمُلَازَمَةِ، وَقَدْ أُدْمِجَ فِي ذَلِكَ تَذْكِيرُهُمْ بِالْمَوْتِ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْذَارُهُمْ بِالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ.
فَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ فِي وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لِلْاهْتِمَامِ وَالرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ، وَلَيْسَ لِلْاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُواْ يَدَّعُونَ الْحَشْرَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدَّعُوهُ لغير الله.
[٢٥- ٢٦]
[سُورَة الْملك (٦٧) : الْآيَات ٢٥ إِلَى ٢٦]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)
لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مُعَارَضَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] إِلَى
هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [الْملك: ٢٤] انْحَصَرَ عِنَادُهُمْ فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الْملك: ٢٤] فَإِنَّهُمْ قَدْ جَحَدُوا الْبَعْثَ وَأَعْلَنُواْ بِجَحْدِهِ وَتَعَجَّبُواْ مِنْ إِنْذَارِ الْقُرْآنِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٨٧] وَكَانُواْ يَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سبأ: ٢٩] وَاسْتَمَرُّواْ عَلَى قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرِيرِ.
والْوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَشْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الْملك: ٢٤] فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: هذَا ظَاهِرَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَعْدٌ آخَرَ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى وَعِيدٍ سَمِعُوهُ.

صفحة رقم 48

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية