| زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة | كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ |
وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ. الغَلِيظُ. وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.
وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.
ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني:
لا تطعه بسبب ماله. ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم. وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين. ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.
وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة. قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد. والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٧ الى ٣٣]
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)
ثم قال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعني: اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء ويقال: ابتليناهم بالجوع صفحة رقم 482
والشدة. ثم قال: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يعني: أهل ضيروان، وهي قبيلة باليمن. وروى أسباط، عن السدي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين، فلم يمنعهم من دخولها، وأن يأكلوا منها، وأن يتزودوا فيها. فلما مات أبوهم، قال بنوه بعضهم لبعض: على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟ فقالوا: فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين. ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون، ويقول بعضهم لبعض خفياً: أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله: إِذْ أَقْسَمُوا يعني: حلفوا فيما بينهم.
لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ يعني: ليُجدنَّها وقت الصبح، أي: ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين.
وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني: لم يقولوا: إن شاء الله تعالى.
وروي في الخبر: أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل، اجتمع هناك مساكين كثيرة.
وقد جعل له علامة، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات، كانت للمساكين. فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة. فلما مات الرجل، قال بنوه فيما بينهم: إن أبانا كان عياله أقل، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر. وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل، كي لا يشعر بهم المساكين، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة، فذلك قوله: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ يعني: بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل. والطائف: الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون. مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ يعني: صارت الحديقة كالليل المظلم. وقال القتبي: الصريم: من أسماء الأضداد. يسمى الليل صريماً، والصبح صريماً، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل. ويقال: الصريم يعني: ذهب ما فيها، فكأنه صرم أي قطع وجز.
ثم قال: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ يعني: نادى بعضهم لبعض أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ يعني: اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم. إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يعني: إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين. فَانْطَلَقُوا يعني: ذهبوا إِلى نخيلهم، وَهُمْ يَتَخافَتُونَ يعني: يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قال مقاتل: يعني: على جد في أنفسهم. قادِرِينَ على جنتهم وقال الزجاج: معناه على قصد، وقال القتبي: الحرد المنع، ويقال: الحرد القصد قادرين واجدين ويقال: على قوة ونشاط، ويقال: على طريق جنتهم، ويقال: الحرد اسم تلك الجنة.
فَلَمَّا رَأَوْها يعني: أتوها ورأوها مسودة، أنكروها. قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ يعني: أخطأنا الطريق، وليست هذه جنتنا. فلما تفحصوا وعملوا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم، فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني: حُرِمْنا منفعتها. قالَ أَوْسَطُهُمْ يعني: أعدلهم وأعقلهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ يعني: هلا تستثنون في أيمانكم. ويقال: كان استثناؤهم التسبيح يعني:
لولا قلتم سبحان الله. فندموا على فعلهم. قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا يعني: نزهوه وعظموه تائبين
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي