قوله : لِّلْكَافِرِينَ . فيه أوجه :
أحدها : أن يتعلق ب «سأل » مضمناً معنى «دعا » كما تقدم، أي : دعا لهم بعذاب واقع.
الثاني : أن يتعلق ب «واقع » واللام للعلة، أي نازل لأجلهم.
الثالث : أن يتعلق بمحذوف، صفة ثانية ل «عذاب » أي كائن للكافرين.
الرابع : أن يكون جواباً للسائل، فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي : هو للكافرين.
الخامس : أن تكون «اللام » بمعنى «على »، أي : واقع على الكافرين.
ويؤيده قراءة أبيّ١ :«على الكافرين »، وعلى هذا فهي متعلقة ب «واقع » لا على الوجه الذي تقدم قبله.
قال الزمخشريُّ : فإن قلت : بِمَ يتصل قوله :«للكافرين » ؟.
قلت : هو على القول الأول متصل ب «عذاب » صفة له أي بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل أي دعا للكافرين بعذاب واقع أو بواقع، أي : بعذاب نازل لأجلهم.
وعلى الثاني : هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي : هو للكافرين انتهى.
قال أبو حيَّان٢ : وقال الزمخشري : أو بالفعل، أي : دعا للكافرين، ثم قال : وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر في توجيهه للكافرين، قال : هو كلام مبتدأ، وقع جواباً للسائل، أي : هو للكافرين، وكان قد قرر أن «سأل » في معنى «دعا » فعدي تعديته، كأنه قال : دعا داعٍ بعذاب، من قولك : دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [ الدخان : ٥٥ ] انتهى، فعلى ما قرره، أنه متعلق ب «دَعَا » يعني «بسأل »، فكيف يكون كلاماً مبتدأ جواباً للسائل، أي : هو للكافرين، هذا لا يصح.
قال شهاب الدين٣ : وقد غلط أبو حيان في فهمه عن أبي القاسم قوله : وعلى الثاني إلى آخره، فمن ثم جاء التخليط الذي ذكره الزمخشريُّ، إنما عنى بالثاني قوله عن قتادة : سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع، فنزلت، و «سأل » على هذا الوجه مضمن معنى «عني واهتم »، فهذا هو الوجه الثاني المقابل للوجه الأول، وهو أن «سأل » يتضمن معنى «دَعَا »، ولا أدري كيف تخبط حتى وقع، ونسب الزمخشري إلى الغلط، وأنه أخذ قول قتادة والحسن وأفسده، والترتيب الذي رتّبه الزمخشري، في تعلق «اللام » من أحسن ما يكون صناعة ومعنى.
قال القرطبي٤ : وقال الحسن : أنزل اللَّهُ تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ، وقال : لمن هو ؟ فقال :«للكافرين »٥، فاللام في «لِلكَافِريْنَ » متعلقة ب «واقع ».
وقال الفرَّاءُ : التقدير : بعذابٍ للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب، فاللام دخلت للعذاب لا للواقع.
أي : هذا العذاب للكافرين في الآخرة، لا يدفعه عنهم أحدٌ.
وقيل : إن اللام بمعنى «على » أي : واقع على الكافرين كما في قراءة أبَيِّ المتقدمة.
وقيل : بمعنى «عَنْ » أي : ليس له دافع عن الكافرين.
قوله : لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ .
يجوز أن يكون نعتاً آخر ل «عذاب »، وأن يكون مستأنفاً، والأول أظهر.
وأن يكون حالاً من «عَذاب » لتخصصه، إما بالعمل وإما بالصفة، وأن يكون حالاً من الضمير في «للكافرين » إن جعلناه نعتاً ل «عَذاب ».
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٣٢..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٧٣..
٤ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٨٢-١٨٣..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٤٥) وعزاه إلى ابن المنذر..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود