ﮮﮯﮰﮱ ﯔﯕﯖﯗ ﯙﯚﯛﯜ ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ ﯪﯫﯬ ﯮﯯﯰ ﯲﯳ

سورة المعارج
في السورة توكيد بوقوع عذاب الله الموعود. وتذكير بعظمة المشاهد السماوية ووصف لهول يوم القيامة وما تكون عليه حالة الكفار فيه. وتقرير لبعض طبائع الإنسان السيئة واستثناء المؤمنين المصلّين الذين يخافون الله والآخرة على اعتبار أن ذلك يحسّن هذه الطبائع ويحفّز على الخير والبرّ والعدل والحق والعفاف. وصورة من صور الهزء التي كانت تبدو من الكفّار نحو النبي، وتسلية للنبي وتنديد بالكفار بسببها.
وآيات السورة متوازنة منسجمة مما يسوغ القول بنزولها دفعة واحدة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧)
. (١) سأل: قيل إنها بمعنى دعا وقيل إنها بمعنى السؤال العادي.
(٢) المعارج: جمع معراج وهو ما يصعد عليه إلى أعلى. وهي كناية عن السموات على ما روي عن ابن عباس. وهناك من قال إنها بمعنى ذي الفضل والنعم.
في الآيات: إشارة إلى سؤال سائل عن عذاب الله الموعود وموعد وقوعه

صفحة رقم 392

ومحلّه. وتوكيد بوقوعه على الكافرين دون أن يستطيع أحد دفعه عنهم من الله ربّ السموات الذي يصعد إليه فيها الملائكة والروح في يوم طوله خمسون ألف سنة من أيام الدنيا. وأمر للنبي بالصبر والثبات وعدم الاغتمام وتطمين له: فإذا كان الكفار يرون ذلك العذاب ويوم موعده بعيدا فهو عند الله قريب.
والآية الأولى تحتمل أن يكون السؤال وقع فنزلت الآيات بمناسبته كما تحتمل أن تكون حكاية لما كان يتكرّر وقوعه من الكفار من استعجال العذاب أو التساؤل عن موعده على سبيل الإنكار والتحدّي والاستهتار على ما حكته عنهم آيات عديدة مرّت أمثلة منها. وقد احتوت الآيات ردّا تضمّن التوكيد والتنديد والبرهان المستمد من المحسوس وبخاصّة المستند إلى ما هو قائم في مشاهد الكون من عظمة الله وقدرته. بحيث لا يصح في العقل أن يستبعد عليه شيء.
ووجود الله سبحانه وعظمته وشمول قدرته وحكمه مما كان يعترف به السامعون على ما مرّت الشواهد القرآنية العديدة عليه فتكون الحجّة هنا مستحكمة فيهم.
تعليق على رواية شيعية في سبب نزول هذه الآيات
ولقد روى المفسر الشيعيّ الطبرسي عن جعفر بن محمد أحد الأئمة الاثني عشر رواية في سبب نزول هذه الآيات جاء فيها: «لما نصّب رسول الله ﷺ عليا يوم غدير خمّ وقال من كنت مولاه فعليّ مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي ﷺ النعمان بن الحرث الفهري فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصّبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟ فقال والله الذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله. فولّى النعمان بن الحرث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ وسورة كالمعارج مكيّة بدون خلاف. والحديث المرويّ عن النبي ﷺ يوم غدير خمّ صدر

صفحة رقم 393

عنه حسب الروايات بعد رجوعه من حجّة الوداع أي قبيل وفاته. أو بعد رجوعه من فتح مكة أي في السنة الهجريّة الثامنة. وجملة «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلخ... » آية في سورة الأنفال المدنيّة تحكي في سياقها أقوال مشركي مكّة في العهد المكيّ. والآيات التي بعدها تردّ عليهم. وعلي بن أبي طالب (رض) لم يعد يوم الحديث المروي غلاما فإنه جاوز الثلاثين سنين عديدة. حيث يبدو من ذلك غرابة الرواية وكونها من نوع مرويات الشيعة العديدة التي يروونها في سياق التفسير لتأييد هواهم.
تعليق على جملة تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
يروي المفسرون أقوالا عديدة ومنسوبة إلى بعض أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم في صدد هذه الجملة «١». فمنها في صدد وَالرُّوحُ أنها تعني جبريل عليه السلام الذي يرجّح أنها عنته في آيات في سور أخرى سبق تفسير بعضها مثل سورتي النحل والشعراء. ومنها أنها تعني أرواح الناس حينما تنقضي آجالهم مما ذكر في حديث رويناه في سياق بعض آيات سورة إبراهيم التي سبق تفسيرها. ولقد ذكر الروح مع الملائكة في سورة القدر بأسلوب يدلّ على أنه رئيس الملائكة ويكون على رأسهم في نزولهم إلى الأرض كما ذكرت في مثل هذا المقام أو بعبارة أخرى في قيام الملائكة والروح صفّا أمام الله يوم القيامة في إحدى آيات سورة النبأ التي يأتي تفسيرها بعد قليل حيث يسوّغ الترجيح أنها هنا من هذا الباب. ومنها في صدد خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أن الرقم هو المسافة التي بين تخوم الأرض إلى فوق السموات السبع حسب أيام الدنيا يقطعها الملائكة والروح في يوم واحد. ومنها أنها بمعنى أنه لو صعد غير الملائكة من منتهى أمر الله في أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله من فوق السماء السابعة لما صعد في أقل من خمسين سنة والملائكة يقطعونها في ساعة واحدة. ومنها أن الرقم هو يوم القيامة ومنها أنه مدة

(١) انظر تفسيرها في كتب تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير.

صفحة رقم 394

الدنيا. وقد حاول المفسرون الذين رووا القولين الأولين التوفيق بين هذا الرقم وبين ما جاء في سورة السجدة التي مرّ تفسيرها في هذا الجزء فقالوا إن يوم سورة السجدة هو من الأرض الأولى إلى السماء الأولى في حين أن يوم المعارج من تخوم الأرض السابعة إلى ما فوق السماء السابعة.
ولقد أورد ابن كثير بسبيل تأييد كون اليوم هو يوم القيامة حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: «قيل لرسول الله ﷺ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا». ومع أن المفسر عقّب على هذا الحديث قائلا إن شخصين من رواته ضعيفان فإنه أورد حديثا آخر رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا عن أبي هريرة جاء فيه: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنّم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلّما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإما إلى النار» «١». هذا في حين أن فحوى الآيات يتّسق مع القولين الأوّلين أكثر وأن المتبادر من هذا الفحوى هو بيان كون المسافات الشاسعة الهائلة التي يستعظمها الناس مثل ما بين الأرضين والسموات ليست شيئا بالنسبة لقدرة الله تعالى. ولسنا نرى تعارضا بين هذا وبين ما جاء في الحديث الصحيح في الوقت نفسه حيث يبدو منه أن القصد هو بيان كون يوم القيامة طويلا جدا على الناس حتى لكأنه خمسون ألف عام مما يعدونه من أيامهم.
ومهما يكن من أمر فالخبر الذي احتوته الجملة القرآنية من المغيبات المتصلة بسرّ الله وملائكته. ومن الواجب الوقوف عنده موقف التصديق دون التخمين مع واجب تنزيه الله تعالى عن المكان والحدود الجسمانية ومع واجب الإيمان بأنه لا

(١) التاج ج ٢ ص ٦، وللحديث تتمة بالنسبة للمواشي التي لا تؤدّى زكاتها.

صفحة رقم 395

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية