خمسمائة نزولاً، وخمسمائة صعودًا (١).
وروي عن الحكم (٢)، وعكرمة (٣) أنهما قالا: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي إلا الله.
٥ - قوله تعالى: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) قال مقاتل: فاصبر يا محمد على تكذيبهم إياك بأن العذاب غير كائن، صبرًا لا جزع فيه (٤).
قال الكلبي: هذا قبل أن يؤمر (٥) بالقتال (٦).
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٢، وعزا ابن كثير الراوية إلى الحكم بن أبان عن عكرمة، فأورد الرواية من طريقه: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٧.
(٣) ورد قوله في: غرائب التفسير وعجائب التأويل: للكرماني: ٢/ ١٢٥١، وقد اعتبره الكرماني من عجيب القول، انظر: البرهان في توجيه متشابه القرآن للمؤلف السابق: ١٥٤، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٢، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٧.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢٠٨/ ب، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٩ مختصرًا.
(٥) بياض في: (ع).
(٦) ورد قوله في: "التفسير الكبير" ٣/ ١٢٥. وأبطل ابن الجوزي دعوى النسخ فقال: "وزعم قوم، منهم ابن زيد، أن هذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. نواسخ القرآن: ٢٤٥، المصفَّى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٥٨، وكلاهما لابن الجوزي. وممن قال بالنسخ: هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ١٨٤، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ٥٤. والصحيح -والله أعلم- أن الآية ليس فيها ما يدل على دعوى النسخ، إذ الأمر بالصبر على الأذى ليس فيه ما يتعارض مع القتال.
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ يرون العذاب. بَعِيدًا. غير كائن. وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) كائناً؛ لأن ما هو آت قريب.
ثم أخبر متى يقع بهم العذاب فقال: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) ذكرنا تفسير (المهل) عند قوله: بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ (١).
قال ابن عباس: كدُرْديِّ (٢) الزيت (٣).
وروى عنه عكرمة: كعكر (٤) القطران (٥).
(٢) دردي الزيت: هو ما يبقى في أسفله، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. "لسان العرب" ٣/ ١٦٦، (درد)، وانظر: "الصحاح" ٢/ ٤٧٠.
(٣) "زاد المسير" ٨/ ٩٥، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٤، و١٠/ ٣٩٤ عند تناوله الآية ٢٩ من سورة الكهف، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٨، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى الطستي، وانظر أيضًا: ٥/ ٣٨٥ وعزاه في هذا الموضع إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٤) العكر: آخر الشيء وخاثره من شراب وماء ودُهن. انظر: "الصحاح" ٢/ ٧٥٦ (عكر)، و"المصباح المنير" ٢/ ٥٠٦ (عكر).
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
وقال الحسن: مثل الفضة إذا أذيبت (١)، وهو قول عبد الله (٢).
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) معنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ، والقطعة (٣): عهنة، والجميع: العُهُون.
وقال الليث: يقال لكل صوف عِهِن (٤).
والمفسرون يقولون: كالصوف المنفوش (٥).
وبعضهم (٦) يقول: كالصوف الأحمر؛ وذلك أن الجبال (٧) تصير رملاً مهيلاً، ثم تصير كالعهن المنفوش في خفتها وسيرها، ثم تصير هباءً منثوراً.
قوله: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) قال ابن عباس: الحميم: القريب الذي تغضب له ويغضب لك (٨).
(٢) أي عبد الله بن مسعود. انظر قوله في: "معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٣، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٤.
(٣) في (أ): القطعنة.
(٤) ورد قوله في "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٥ مادة: (عهن). وانظر مادة (عهن) في: تهذيب اللغة، المرجع السابق، "الصحاح" ٦/ ٢١٦٩، و"لسان العرب" ١٣/ ٢٩٦، و"تاج العروس" ٩/ ٢٧٦.
(٥) وهو قول: مجاهد، وقتادة كما في: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٣، وقول مقاتل كما في: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ أ، وقول السدي كما في: "ابن كثير" ٤/ ٤٤٨، وانظر: تفسير السدي الكبير ٤٦١. وإليه ذهب الزجاج في "معاني القرآن" ٥/ ٢٢٠.
(٦) كالحسن، انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٣، وهو في "لباب التأويل" ٤/ ٣٠٩ من غير عزو، وقوله من "كالصوف الأحمر" إلى: "هباء منثورًا".
(٧) بياض في: (ع).
(٨) "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٥.
يقول: لا يُسأل قرابة عن قرابته (١) إشغالاً بنفسه عنهم.
وقال مقاتل: يقول لا يسأل الرجل قرابته من شدة الأهوال (٢).
(والمعنى: لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم؛ لأنه يذهل عن ذلك ويشتغل عنه بشأنه، ألا ترى قوله: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الحج: ٢]، وقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) [عبس: ٣٤]، وقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) [عبس: ٣٧].
فقوله: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) (٣) (٤) من قولك: سألت زيداً، أي: سألته عن حاله وأمره.
ويجوز أن يكون المعنى: لا يَسْأل عن حميمه، فيُحذف الجار، ويوصل الفعل (٥).
وروي عن ابن كثير: وَلَا يُسْأَلُ بضم الياء (٦)، والمعنى: لا يُسأل
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ أ، و"زاد المسير" ٨/ ٩١.
(٣) في (أ): عن حميم.
(٤) في (أ): زيادة: (ليعرف شأنه من جهته حميمًا)، وهي زيادة لم ترد في الحجة، ولا فائدة من إثباتها.
(٥) من قوله: "والمعنى: لا يَسْأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم" إلى: "ويوصل الفعل". في بيان معنى من قرأ: "يَسأل" بفتح الياء. وقد قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ٦٥، و"الحجة" ٦/ ٣٢٠، و"حجة القراءات" ٧٢٢، و"تحبير التيسير" ١٩٢، و"النشر" لابن الجزري ٢/ ٣٩٠، و"إتحاف فضلاء البشر" للبنا: ٤٢٣، و"البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي ٣٢٤.
(٦) انظر مواضع قراءته في المراجع السابقة.
حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب عن قريبه، وهذا أيضًا على حذف الجار) (١).
وقال الفراء: أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال: ولست أشتهي ضم الياء؛ لأنه مخالف للتفسير، ولما أجمع عليه القراء (٢).
قوله: يُبَصَّرُونَهُمْ (يقال: بصرت به أبصر، قال الله تعالى: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ [طه: ٩٦].
وتقول: بصَّرني زيدٌ كذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول به، وقد حذفت الجار قلت: بُصِّرتُ [زيدٌ] (٣)، فعلى هذا يُبَصَّرُونَهُمْ، وإنما جمع فقيل: (يبصَّرونهم) لأن الحميم (٤)، وإنس كان مفردًا في اللفظ، فالمراد به الكثرة والجمع، يدلك على (٥) ذلك قوله: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
ومعنى: (يبصرونهم): يعرفونهم، ويرونهم، أي: يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه (٦)، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه (هذا معنى
(٢) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٤ نقله عنه الواحدي بتصرف يسير.
(٣) في النسختين: زيدًا، وأثبت ما جاء في الحجة لصوابه.
(٤) بياض في: (ع).
(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفارسي بتصرف. "الحجة" ٦/ ٣٢٠. وهذا القول في بيان صحة جواز حذف الجار، ثم وصل الفعل بالاسم الذي كان مجرورًا قبل حذف الجار، فينتصب لأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل الممني للمفعول به.
(٦) بياض في: (ع).
قول المفسرين) (١).
قال مقاتل: يعني يعرفونهم فلا يكلمونهم (٢).
قالوا (٣): (وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صَاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، ولا يسأله، ويبصر الرجل حميمه فلا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم) (٤).
وتمام الكلام الأول عند قوله: يُبَصَّرُونَهُمْ (٥)، وهذا يدل على صحة قراءة العامة، ومعنى القراءة الثانية لا تتصل بقوله: يُبَصَّرُونَهُمْ.
قوله تعالى: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ قال المفسرون: يعني المشرك الكافر (٦).
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ أ.
(٣) لعله عني بذلك الثعلبي، لأن ما ساقه ورد بنصه عنه كما في: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ أ، وانظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٣، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٩.
(٤) ما بين القوسين أورده الثعلبي بنصه في: الكشف والبيان. انظر: الحاشية السابقة.
(٥) وهو أيضًا تام عند أبي حاتم، وحسن عند الأشموني. انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: ٢/ ٧٦٠، و"المكتفى في الوقف والابتداء" للداني: ٥٨٦، و"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" للأشموني: ٤٠٤.
(٦) قال بذلك: ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وقال ابن عطية: المراد في هذه الآية الكافر؛ بدليل شدة الوعد، وابن الجوزي، والفخر، والقرطبي، والخازن. وذكر الفخر قولًا آخر، وهو: أن الآية تتناول كل مذنب. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٥، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٣، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٧، و"زاد المسير" ٨/ ٩١، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٦، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٦، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٩.
قوله: وَفَصِيلَتِهِ فصيلة الرجل: رَهْطُه الأدْنَوْن (١)، وكان يقال للعباس: فصيلة النبي -صلى الله عليه وسلم-. قاله أبو عبيد (٢).
وقال الليث: الفصيلة: فَخِذ الرجل (٣) من قومه الذي هو منهم (٤).
وقال أبو عبيدة، (٥) والمبرد (٦): الفصيلة دون القبيلة في النسب، أي أقرب وأخص من القبيلة. وقال رؤبة:
والناسُ إن فَصَّلْتُهُمْ فصائلا (٧)
كلٌّ إلينا يَبْتَغي الوَسائِلا
وقال أبو العباس: الفصيلة: القِطْعة من أعضاء الجسد (٨)، وهي دون القبيلة (٩). وعشيرة الرجل سميت فصيلة تشبيهًا بالبعض منه.
قال ابن عباس: يريد عشيرته وأقاربه التي ينتهي إليه (١٠).
وقال مقاتل: يعني فخذه الأدنى يأوي إليهم (١١).
(٢) "تهذيب اللغة" ١٢/ ١٩٢ فصل، وانظر قوله أيضًا في: "التفسير الكبير" ٣/ ١٢٧.
(٣) بياض في: (ع).
(٤) المرجع السابق.
(٥) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٩، وعبارته فيه: "دون القبيلة، الشعوب أكثر من القبائل، ثم الفصيلة فخذ الرجل التي تؤويه".
(٦) الجامع لأحكام القرآن بمعناه: ١٨/ ٢٨٦.
(٧) ورد البيت في: "ديوانه" ١٢٢، وفي "الكامل" ٣/ ١٠٩٢.
(٨) في (ع). الرجل، وكتبت في الهامش: (الجسد) من النسخة نفسها.
(٩) "تهذيب اللغة" ١٢/ ١٩٢ مادة: (فصل).
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ أ.
يقول الله تعالى: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي بهذه الأشياء ثُمَّ يُنْجِيهِ ذلك الفداء. كَلَّا لا ينجيه ذلك، ولو افتدى به كله. ثم استأنف فقال: إِنَّهَا لَظَى (ولظى من أسماء النار نعوذ بالله منها، وهي معرفة لا تنصرف؛ فلذلك لا تنون. وقال الليث: اللظى: اللهب الخالص (١)، ويقال: لَظيت النارُ، تلظى لظًى (٢)، وتلظت (٣) تلظياً، ومنه قوله تعالى: نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤]) (٤).
وقوله: نَزَّاعَةً مرفوعة (٥) على وجوه:
أحدها: أن تجعل (الهاء) في (إنها) عماداً (٦)، وتجعل (لظى) اسم (إن)، و (نزاعة (٧)) خبر (إن)، كأنه قيل: إن لظى نزاعة.
والآخر: أن تجعل (٨) (الهاء) ضميراً للقصة، وهو الذي يسميه الكوفيون: المجهول، وتكون "لظى"، و (نزاعة) خبراً لـ (إن)، كما تقول:
(٢) في (ع): لظًا.
(٣) في (أ): تلظيت.
(٤) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في "تهذيب اللغة" بتصرف يسير.
(٥) قرأ بالرفع في: نَزَّاعَةً عامة القراء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وجعفر، ويعقوب، وخلف. انظر: "الحجة" ٦/ ٣١٩، و"المبسوط" ٣٨١، و"التبصرة" لمكي ٧٠٨، و"إتحاف فضلاء البشر" ٤٢٤.
(٦) أي: ضميرًا منفصلًا، ولفظ "العماد" من اصطلاحات الكوفيين، وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ به يتبين أن الثاني خبر لا تابع، وبعض الكوفيين يسميه: دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يُقَوَّى ويُؤَكَّدُ. انظر: "نحو القراء الكوفيين" ٣٤١.
(٧) بياض في: (ع).
(٨) في (أ): يجعل.
حُلْوٌ حامِضٌ تريد أنه قد جمع الطعمين. والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة (١) للشوى.
والوجه الثالث: أن يرفع على الذم بإضمار (هي) على معنى: هي نزاعة (٢). وهذا قول الأخفش (٣)، والفراء (٤)، والزجاج (٥).
ومن قرأ (نزاعةً) بالنصب (٦)، قال أبو إسحاق: أما نصب (نَزَّاعة) فعلى أنها حال مؤكدة، كما قال: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا [البقرة: ٩١]، وكما تقول: أنا زيدٌ معروفاً؛ قال (٧): ويجوز أن يُنصب على معنى: أنها تتلظى نزاعة للشوى (٨).
قال أبو علي: (حمله على الحال يبعد، وذلك لأنه ليس في الكلام ما يَعمل في الحال، فإن قلت: في قوله: (لظى) معنى (على) (٩) التلظي، والتلهب، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأن لظى معرفة لا تنتصب عنها الأحوال، ألا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل، أو مصدر لم يعمل
(٢) بياض في: (ع).
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٥، نقله الواحدي بالمعنى، ولم يذكر الفراء إلا وجهين فقط.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢١، ونقل الإمام الواحدي أغلب النص عنه.
(٦) ممن قرأ بالنصب في: "نزاعة": حفص عن عاصم. انظر: الحجة: ٦/ ٣١٩، كتاب التبصرة: ٧٠٨، و"إتحاف فضلاء البشر": ٤٢٤.
(٧) أي: أبو إسحاق الزجاج.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢١ بنصه.
(٩) ساقط من: (ع).
عمل الفعل نحو: صاحب، ودَرٍّ (١) في قولك: لله دَرُّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسمُ فاعل، أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى. ويدلك على تعرف هذا الاسم وكونه علماً أن التنوين لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادثِ في العَلَم، وإن علّقت (نزاعة) بفعل مضمر نحو: أعنيها نزاعة للشوى لم يمتنع) (٢).
والشوى: الأطراف، وهي: اليدان (٣)، والرجلان، ومنه قول امرئ القيس:
سليم الشظى (٤) عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا (٥) (٦)
(٢) ما بين القوسين من قول أبي علي؛ نقله عنه باختصار. "الحجة" ٦/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) بياض في: (ع).
(٤) في (ع): (الشظا).
(٥) في (ع): (شيخ النسا وعبل الشوى) تقديم وتأخير.
(٦) هذا صدر بيت، وعجزه:
لَه حَجَبَاتٌ مُشرِفاتٌ على الفالي
وقد ورد البيت في: "ديوانه" ١٤٣، دار صادر، و"الأضداد" لابن الأنباري: ٢٣٠، و"الكشف والبيان" ١٢: ١٨٤/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٩. ومعناه: الشظى: عظم لاصق بالذراع. الشوى: اليدان والرجلان، الشنج: الصلب، النسا: عرق في الفخذ، الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفالي: اللحم الذي على الورك، وأصله الفائل. كما ورد الشطر الأول من البيت منسوبًا لدريد بن الصمة في شعر يرثي به عبد الله أخاه، وقد قتلته بنو عبس، قال: =
ومن هذا يقال للرامي إذا لم يصب القتل: أشوى، أي أصاب الشوى، والشوى ليس بمقتل، والشوى أيضًا جلد الرأس، واحدتها شواة.
ومنه قول الأعشى:
| قالتْ قُتَيْلَةُ ما لَه | قدجُلِّلَتْ شَيْباً شَواتُه (١) |
قال مقاتل: تنزع النار الهامة (٤) والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته (٥).
| = سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوى شنجِ النسا | طويلِ القَرا نهْدٍ أسيلِ المُقَلَّدِ |
(١) ورد البيت في "ديوانه" ١٣٨، وانظر: مادة: (شوى) من غير نسبة في "تهذيب اللغة" ١١/ ٤٤٢، و"الصحاح" ٦/ ٢٣٩٩، و"لسان العرب" ١٤/ ٤٤٧، و"تاج العروس" ١٠/ ٢٠٤، كتاب "الأضداد" لابن الأنباري ٢٣٠، و"مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٨، و"جامع البيان" ٢٩/ ٧٦، و"معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٣٢٠، و"النكت والعيون" ٦/ ٩٣، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٥، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٨، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه ٢/ ٣٩٠، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٣٠، و"الدر المصون" ٦/ ٣٧٧، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٠، و"روح المعاني" ٢٩/ ٦٠.
(٢) انظر: الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ١٨٥، أبو عبيدة في: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٨، الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢١، وانظر أيضًا: كتاب حروف الممدود والمقصور: لابن السكيت؛ تح د. حسن فرهود: ١١٧، و"تهذيب اللغة"، و"الصحاح"، و"لسان العرب"، و"تاج العروس" مراجع سابقة.
(٣) ما بين القوسين ساقط من: (ع).
(٤) بياض في: (ع).
(٥) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٤، و"بحر العلوم" ٣/ ٤٠٤.
وأكثر المفسرين (١) على أنها: الأطراف، (وهو قول مجاهد (٢) (٣)).
وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب (٤).
وقال أبو إسحاق: لحم (٥) الساقين (٦).
وقال ثابت البناني: لمكارم وجه بني آدم (٧).
قوله تعالى: تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) قال ابن عباس: تدعو (٨) من أدبر عن الإسلام، ودعاؤها أن تقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، إليَّ يا فاسق، إليَّ يا ظالم (٩).
(٢) "الدر المنثور" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة.
(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٤) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٤، و"زاد المسير" ٨/ ٩٢، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٢٨. ومعنى العَصَب -بفتحتين-: أطناب المفاصل التي تُلائم بينها وتشدها. انظر: "لسان العرب" ١/ ٦٠٢ (عصب)، و"المصباح المنير" ٢/ ٤٩٢. والعقب -أيضًا بفتحتين-: أطناب المفاصل، وبكسر القاف: مؤخر القدم، والمراد هنا المعنى الأول. انظر: "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٠، (عقب).
(٥) في (ع): للحم.
(٦) بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر لقول أبي إسحاق.
(٧) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٣/ ب، و"التفسير الكبير" ٣/ ١٢٨، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٠.
(٨) في كلا النسختين: تدعوا.
(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "فتح القدير" ٥/ ٢٩٠.
وقال مقاتل: تدعو (١) النار يوم القيامة: إليَّ أهلي، إليَّ أهلي (٢).
فهذا دعاؤها، وهذا قول المفسرين؛ قالوا: تدعُو من أدبر عن الحق باسمه (٣).
وقال المبرد: تدعو معناه بعذاب (٤).
روى عمرو عن أبيه: الداعي المعذب دعاه الله، أي: عذبه (٥).
(قوله تعالى) (٦): وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) قالوا: جمع المال، فأمسكه ولم ينفقه في طاعة الله (٧).
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ أ.
(٣) وهو قول ابن عباس. انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٤/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٤، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٩، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٩. وقال به الفراء في: "معاني القرآن" ٣/ ١٨٥، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٤) و (٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) ما بين القوسين ساقط من: (ع).
(٧) عني بقوله: قالوا: أي أهل التفسير، وممن قال بذلك: مجاهد كما في: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٨، وعبارته: "جمع المال". وقال بذلك أيضًا: الثعلبي في: "الكشف" ١٢: ١٨٤/ أ، والماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ٩٤، وانظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٤، وبمعناه قال الفخر في: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٣٨، وقد حكاه القرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٨٩، وابن كثير في: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٤٩. ومعنى أوعى لغة: يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. انظر: "الصحاح" ٦/ ٢٥٢٥ مادة: (وعى). وقال ابن فارس: "الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضم الشيء". "معجم مقاييس اللغة": ٦/ ١٢٤ مادة: (وعى).
ومعنى أوعى: جعله في وعاء، فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما.
(قوله تعالى) (١): الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) يقال: هلع الرجل، يهْلَع هَلَعًا وهلاعًا، فهو هالِع وهلُوع، وهو شدة الحرْص، وقلة الصبر، يقال: جَاعَ فهلع، وأصيب فهلع، أي قلّ صبرُه.
قال عمرو بن مَعْديكرب:
| ما إن جزِعْتُ ولا هَلَعْـ | ـتُ ولا يرد بكاي (٢) زَنْدا (٣) |
وقال الفراء: الهلوع: الضجور (٦) (٧).
وقال المبرد: الهلع، والجزع: يقال (٨): نعوذ بالله من الهَلَع عند
(٢) في (أ): بكا.
(٣) ورد البيت في: "شعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي"، جمع مطاع الطرابيشي: ٦٥. ومعنى البيت: الهلع: أفحش أنواع الجزع؛ لأنه جزع مع قلة الصبر، فكأنه قال: ما جزعت عليه حزنًا هينًا ولا فظيعًا، وهذا نفي للحزن رأسًا. وقوله: ولا يرد بكاي زندا: يستعملون الزَّنْد في معنى القلة، كما يستعملون الفُوف والنقير والقطمير. انظر: شعر عمرو بن معدي كرب: المرجع السابق (الحاشية).
(٤) في (ع): جميع.
(٥) انظر مادة (هلع) في "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٤، و"الصحاح" ٣/ ١٣٠٨، و"لسان العرب" ٨/ ٣٧٤ - ٣٧٥، و"تاج العروس" ٥/ ٥٦٠.
(٦) غير واضحة في (ع).
(٧) ورد قول الفراء في: "معاني القرآن" ٣/ ١٨٥ بنصه.
(٨) في (أ): تقول.
منازلة الأقران (١) (٢).
وأكثر المفسرين (٣) وأهل اللغة (٤) قالوا: تفسير الهلوع:
(قوله تعالى) (٥): إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)، وهو الحريص الجازع.
وألفاظ المفسرين في هذه قريبة المعنى؛ بعضها من بعض، قالوا: هو الجزع، الضجور، الشره، في ألفاظ كثيرة تعود إلى هذا المعنى (٦).
(٢) ورد قول المبرد في: "الكامل" ٣/ ١٠٩٢، ونقله الواحدي عنه بتصرف. ويراد بالأقران، ومفرده القِرْن -بالكسر-: الكُفْءُ، والنظير. انظر: "لسان العرب" ١٣/ ٣٣٧، (قرن).
(٣) وهو قول ابن عباس، انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٧٨، و"النكت والعيون" ٦/ ٩٤، و"زاد المسير" ٨/ ٩٢، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٣، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وبه قال أيضًا: ابن كثير ٤/ ٤٤٩.
(٤) وبه قال الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١٨٥، و"مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٠، و"معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٢.
(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).
(٦) والأقوال التي جاءت في تفسير: "الهلوع" عدها الماوردي سبعة أوجه: منها ما جاء عن ابن عباس. انظر: الحاشية السابقة. والآخر: الحريص على ما لا يحل له. وهو قول ابن عباس أيضًا. انظر: "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٤/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٤، و"زاد المسير" ٨/ ٩٣، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٩. والثالث: الجزوع. قاله ابن زيد، وقتادة. انظر: "تفسير القرآن": لعبد الرزاق: ٢/ ٣١٧ معزوًا إلى قتادة فقط، جامع البيان، و"الكشف والبيان" مرجعان سابقان، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد الرزاق عن قتادة، وإليه ذهب اليزيدي، ومكي بن أبي طالب. انظر: "غريب القرآن وتفسيره" ٣٨٩، و"تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم": ٣٥٦. والرابع: البخيل. قاله الحسن، =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي