ﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن نوحا أمر أن ينذر قومه قبل أن يحل بهم بأس ربهم، وعظيم بطشه، وأنه لبّى نداءه، فأنذرهم وأمرهم بتقواه وطاعته، ليغفر ذنوبهم، ويمد في أعمارهم- أردف ذلك بمناجاته لربه وشكواه إليه، أنه أنذرهم بما أمره به، فعصوه وردوا عليه ما أتاهم به من عنده، ولم يزدهم دعاؤه إلا إدبارا عنه، وهربا منه، وأنه كان يدعوهم تارة جهرة، وتارة سرا، وأمرهم أن يطلبوا من ربهم مغفرة ذنوبهم، ليرسل المطر عليهم، ويمدهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم الجنات والأنهار، ثم نبههم إلى عظمته تعالى، وواسع قدرته، ولفت أنظارهم إلى خلقه تعالى لهم أطوارا، وخلقه للسماوات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا، وجعل الأرض كالبساط يتنقلون فيها من واد إلى واد، ومن قطر إلى قطر.
شرح المفردات : جنات : أي بساتين.
( ٢ ) ويمددكم بأموال أي ويكثر لكم الأموال والخيرات على سائر ضروبها واختلاف ألوانها.
( ٣ ) وبنين أي ويكثر لكم الأولاد ؛ فقد ثبت لدى علماء الاجتماع أن النسل لا يكثر في أمة إلا إذا استتب فيها الأمن، وارتفع منها الظلم، ساد العدل بين الأفراد، وتوافرت لهم وسائل الرزق.
وأصدق شاهد على هذه الأمة المصرية، فقد كانت في عصر المماليك في القرن السابع عشر الميلادي، أيام الظلم والعسف الجبروت، في فقر وضنك، وسلب ونهب، فتدهور عدد سكانها حتى بلغ الثلاثة الملايين.
ولما اعتلى عرش مصر " محمد علي : رأس الأسرة المالكة في مصر في أوائل القرن الثامن عشر، وساس البلاد بحكمته، وسعى جهد طاقته في تنظيم مرافقها من زراعة وصناعة ومعارف وعلوم، تكاثر النسل وما زال يزيد، ونهج أبناؤه وحفدته نهجه حتى بلغ عدده في عصرنا الحاضر نحو عشرين مليونا.
( ٤ ) ويجعل لكم جنات أي ويوجد لكم بساتين عامرة تأخذون من ثمارها ما به تنتفعون، ولن يطمع الناس في الفاكهة إلا إذا وجدت لديهم الأقوات، وكثرت الغلات.
( ٥ ) ويجعل لكم أنهارا جارية بها يكثر الخصب والزرع بمختلف ألوانه وأشكاله.
لا جرم أن الأمة الكثيرة البساتين والمزارع، يعمها الرخاء، وتسعد في حياتها الدنيوية.
وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال له : استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر وقلة النسل فقال له : استغفر الله، وشكا إليه ثالث جفاف بساتينه. فقال له : استغفر الله، فقال له بعض القوم : أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال : ما قلت من نفسي شيئا، إنما اعتبرت قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه : استغفروا ربكم [ هود : ٣ ] الآية.
وبعد أن أدبهم الأدب الخلقي بطلبه منهم تهذيب نفوسهم واتباعهم مكارم الأخلاق، شرع يؤدبهم الأدب العلمي بدراسة علم التشريح، وعلم النفس، ودراسة أحوال العوالم العلوية والسفلية فقال : ما لكم لا ترجون لله وقارا* وقد خلقكم أطوارا

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير