تمهيد :
تصور الآيات الكريمة اجتهاد نوح عليه السلام في دعوة قومه إلى الهداية والإيمان، وكأنما يناجي ربه ويشره مهمته فيما يأتي :
لقد دعا قومه ليلا ونهارا، أي بذل جهدا متتابعا كبيرا، لكنّهم أعرضوا عنه، ولم يهتدوا بل عاندوا، وقد قاوموا دعوته، حتى وضعوا أنامل أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه، وغطّوا وجوههم حتى لا يشاهدوه، وقاوموا الإيمان بإصرار واستكبار.
وقد لوّن نوح في دعوته، حيث دعاهم سرّا، ثم علنا، ثم جمع بين الجهر والسر.
أنعم الله
عرض نوح لبيان نعم الله وأفضاله على عباده، ومن هذه النعم ما يأتي :
( أ ) قبول الاستغفار والتوبة لمن تاب وأناب، ثم التفضل بالنّعم.
( ب ) إنزال الأمطار، ويتبعها إنبات النبات.
( ج ) توسعة الرزق بالمال والبنين.
( د ) الإمداد بالبساتين والأنهار الجارية.
ثم التفت إليهم نوح متسائلا عن سبب عدم تعظيمهم لله وعدم طاعتهم له سبحانه، فقد منّ الله على الخليقة بما يأتي :
١- تطوّر مراحل تخليق الجنين في بطن أمّه، وتطوّر حياة الإنسان من الطفولة إلى الشباب، ثم الرجولة والكهولة والشيخوخة.
٢- خلق سبع سماوات متطابقة.
٣- جعل الشمس سراجا مضيئا بذاته، والقمر منيرا يستمدّ ضوءه من غيره.
٤- خلق آدم من تراب، وخلق ذريته من المنيّ الذي يتكون من الغذاء، وهو ينبت من الأرض.
٥- خلق الإنسان من الأرض، ثم عودته إليها عند الموت.
٦- جعل الله الأرض مسطّحة أمام العين كالبساط، ويسّر بها الطرق الواسعة الممهدة، التي تيسّر الانتفاع بالأرض، والانتقال بين أرجائها.
المفردات :
خلقكم أطوارا : مدرجا لكم في حالات مختلفة.
التفسير :
١٤- وقد خلقكم أطوارا.
وقد خلقكم في أطوار مختلفة، ومراحل متعددة تدل على كمال قدرته.
فقد خلقنا الله من النطفة، ثم جعل النطفة ( وهي الحيوان المنوي الذي يتم به إخصاب بويضة الأنثى ) تتحول إلى علقة ( أي قطعة دم تعلق بجدار الرحم وتمسك به لتكون في قرار مكين )، ثم مضغة ( أي قطعة لحم قدر ما يمضع الإنسان في فمه )، ثم تتحول المضغة إلى هيكل عظمى أولا، ثم تكسي العظام لحما ثانيا، ثم ينفخ الله فيه الروح فيصبح خلقا آخر وإنسانا سويا.
قال تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلسلة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النّطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين* ثم إنكم بعد ذلك لميّتون* ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. ( المؤمنون : ١٢-١٦ ).
ونلحظ أن الإنسان في حياته يبدأ طفلا، ثم يافعا، ثم فتى، ثم شابا، ثم رجلا، ثم كهلا، ثم شيخا، فهي أطوار متعددة.
قال تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير. ( الروم : ٥٤ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته