المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن نوحا أمر أن ينذر قومه قبل أن يحل بهم بأس ربهم، وعظيم بطشه، وأنه لبّى نداءه، فأنذرهم وأمرهم بتقواه وطاعته، ليغفر ذنوبهم، ويمد في أعمارهم- أردف ذلك بمناجاته لربه وشكواه إليه، أنه أنذرهم بما أمره به، فعصوه وردوا عليه ما أتاهم به من عنده، ولم يزدهم دعاؤه إلا إدبارا عنه، وهربا منه، وأنه كان يدعوهم تارة جهرة، وتارة سرا، وأمرهم أن يطلبوا من ربهم مغفرة ذنوبهم، ليرسل المطر عليهم، ويمدهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم الجنات والأنهار، ثم نبههم إلى عظمته تعالى، وواسع قدرته، ولفت أنظارهم إلى خلقه تعالى لهم أطوارا، وخلقه للسماوات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا، وجعل الأرض كالبساط يتنقلون فيها من واد إلى واد، ومن قطر إلى قطر.
مدرارا : أي متتابعا، جنات : أي بساتين، ترجون : أي تخافون، وقارا : أي عظمة وإجلالا، أطوارا : واحدها طور وهو الحال والهيئة، فطورا نطفة، وطورا علقة، وطورا عظاما، ثم تكسى العظام لحما، ثم تنشأ خلقا آخر، طباقا : أي بعضها فوق بعض، بساطا : أي منبسطة تتقلبون فيها، فجاجا : أي واسعة، واحدها فج، وهو الطريق الواسع قاله الفراء وغيره. إذا نزل السماء بأرض قـــوم فحلوا حيثمـــا نزل السماء
ثم بين أنه ما ترك وسيلة في الدعوة إلا فعلها فقال :
ثم إني دعوتهم جهارا* ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا أي ثم إني كنت أسر لهم بالدعوة تارة، وأجهر لهم بها تارة أخرى، وطورا كنت أجمع بين الإعلان والإسرار.
والخلاصة : إنه عليه الصلاة والسلام لم يترك سبيلا للدعوة إلا فعلها، فاستعمل طرقا ثلاثة :
( ١ ) بدأهم بالمناصحة في السر، فعاملوه بما ذكر في الآية من سدّ الآذان والاستغشاء بالثياب، والإصرار على الكفر، والاستعظام عن سماع الدعوة.
( ٢ ) جاهرهم بالدعوة، وأعلنهم على وجه ظاهر لا خفاء فيه.
جمع بين الإعلان والإسرار.
تفسير المراغي
المراغي