ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ أي دعوتهم معلناً لهم بالدعاء وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً أي وأسررت لهم الدعوة إسراراً كثيراً. قيل المعنى : أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجع ذلك فيهم. قال مجاهد : معنى أعلنت صحت. وقيل : معنى أسررت : أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها. وانتصاب جهاراً على المصدرية، لأن الدعاء يكون جهاراً ويكون غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم : قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف : أي دعاء جهاراً، وأن يكون مصدراً في موضع الحال : أي مجاهراً، ومعنى «ثم » : الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما. قرأ الجمهور : إِنِّيْ بسكون الياء، وقرأ أبو عمرو والحرميون بفتحها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : جعلوا أصابعهم في آذانهم قال : لئلا يسمعوا ما يقول واستغشوا ثِيَابَهُمْ قال : ليتنكروا، فلا يعرفهم واستكبروا استكبارا قال : تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه واستغشوا ثِيَابَهُمْ قال : غطوا وجوههم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في قوله : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً قال : لا تعلمون لله عظمة. وأخرج ابن جرير والبيهقي عنه أيضاً : وَقَاراً قال : عظمة. وفي قوله : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً قال : نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : لا تخافون لله عظمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : لا تخشون له عقاباً ولا ترجون له ثواباً. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عليّ بن أبي طالب :«أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر فوقف فنادى بأعلى صوته مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ».
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال : الشمس والقمر، وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه من كتاب الله : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر قال : تضيء لأهل السموات، كما تضيء لأهل الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال : اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب : سلني عما شئت، فلا تسألني عن شيء إلاّ أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له : أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع، كما هو في الأرض ؟ قال : نعم ألم تروا إلى قول الله خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقاً وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : خلق فيهنّ حين خلقهنّ ضياء لأهل الأرض، وليس في السماء من ضوئه شيء، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً : سُبُلاً فِجَاجاً قال : طرقاً مختلفة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية