ﭦﭧﭨﭩﭪ

إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ٥ قيل : المراد بالقول الثقيل الأمر بقيام الليل فإنه ثقيل شاق على النفس فهذه الجملة على هذا التأويل تذييل وتأكيد لما سبق والسين حينئذ للتأكيد دون الاستقبال وقيل : المراد به القرآن قال محمد بن كعب القرآن ثقيل على المنافقين، قلت : فهو نظير قوله تعالى : كبر على المشركين ما تدعوهم ١ وقال الحسن بن الفضل ثقيل في الميزان قلت : نظير قوله صلى الله عليه وسلم :( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمان سبحانه الله وبحمده سبحان الله العظيم )٢ متفق عليه عن أبي هريرة، وقال مقاتل ثقيل لما فيه من الأمر والنهي والحدود كذا قال قتادة وقال أبو العالية ثقيل بالوعد والوعيد وحاصل هذه الأقوال أنه لما فيه من التكاليف الشاقة والوعد والوعيد وذكر القيامة ثقيل على المكلفين لاسيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان عليه أن يتحملها ويحملها أمته ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( شيبتني سورة هود وأخواتها ) رواه الطبراني عن عقبة بن عامر وعن أبي جحيفة، يعني لما فيه من قوله تعالى : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ٣ أو لما فيه من ذكر القيامة وعذاب الأمم الماضية يدل عليه ما رواه الحاكم عن أبي بكر بلفظ ( شيبتني سورة هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت )٤ رواه الترمذي عن ابن عباس والحاكم عن أبي بكر وابن مردويه عن سعد ونحوه عن أنس رواه عبد الله بن أحمد بلفظ ( شيبتني هود وأخواتها ) لما فيها ذكر يوم القيامة وقصص الأمم، وقيل : ثقيل على التأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفيته للسر وتجريد للنظر لرزانته ومتانة معناه وهذا أوفق لما سبق وما لحق فإن الترتيل لأجل التدبر والتفهم وناشئة الليل أشد لمواطأة القلب اللسان، وقيل : ثقيل على باطن الصوفي وعظيمة فإن الخالق العظيم المتعالي يتجلى على قلب المخلوق يحقر السافل كذا قال الفراء حيث قال : ثقيل ليس بالخفيف ولا بالسفساف لأنه كلام ربنا، قال الشيخ الأجل الأكرم الهادي سبيل اليقين محبوب رب العالمين سيف الملة والدين أبد الآبدين إن علامة انكشاف حقيقة القرآن ورود ثقل عظيم على باطن السالك ومن ثم قال الله تعالى : سنلقي عليك قولا ثقيلا ٥ قلت : ويؤيده هذا المعرفة قوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ٦ وهذا معنى ما قيل ثقيل تلقيه رواه مسلم عن عبادة بن الصامت قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه٧ وفي رواية نكس رأسه وكس أصحابه رؤوسهم فلما أتلى عنه رفع رأسه، وفي الصحيحين عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أحيانا تأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ) قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا٨ متفق عليه. ويحتمل أن يقال : إنه ثقيل لما فيه من الأمر بالتوجه إلى الخلق لأجل الدعوة والتبليغ والإرشاد والتكميل بقوله تعالى : قم فأنذر ٢ ٩ وقوله : وأنذر عشيرتك الأقربين ١٠ بعدما كان متوجها إلى الله تعالى مشتغلا به تعالى حيث كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو تعبد الليالي ذوات العدد وقبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها كذا في الصحيحين في حديث عائشة، ودرجة الإرشاد والتكميل وإن كان أفضل من درجة الاستكمال والخلوة لكنه قد يكون عند الصوفي على خلاف الطبع فيثقل عليه ويزعمها الصوفي في بادئ الرأي أن هذا أحط مرتبة من التوجه إلى الله تعالى والخلوة به ولهذا قيل : الولاية به أفضل من النبوة يعني ولاية النبي أفضل من نبوة ذلك النبي زعما من القائل أن في الولاية التوجه إلى الله سبحانه وفي النبوة التوجه إلى الخلق، وقال المجدد ألف ثاني رضي الله عنه ليس هذا القول مبنيا على التحقيق بل النبوة مطلقا أفضل من الولاية وهي عبارة عند الصوفية عن السير في الذات والولاية عن السير في الصفات وشتان ما بينهما والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى يسمى في الاصطلاح بالعروج وإلى الخلق يسمى بالنزول وكلاهما يعترضان للصوفي في كلا السيرين غير أن النازل في مقام الولاية وإن كان له توجها إلى الخلق لكنه لم يبلغ في العروج غاية فهو ملتفت إلى الأعالي طمعا لغاية الكمال والنازل في مقام النبوة لا يكون نازلا إلا بعد ما يبلغ الكتاب في الكمال أجله فهو بكلية يتوجهه إلى الخلق للتكميل على مراد الله سبحانه وتعالى وإن كانت على خلاف مراده وطبعه فهو أفضل وأكمل وهذا الجهاد باق ما دامت هذه النشأة الثانية الباقية وبعد فراغ منها يتأدى بأملهم إلى الرفيق الأعلى فحينئذ يتوجه بكليته إلى الدرجات العلى وأجر من اهتدى به على سبيل الأكمل وبالأوفى والله تعالى أعلم. وجملة إنا سنلقي إما تذييل وتأكيد لما سبق كما ذكرنا أو معترضة لبيان الحكمة في الأمر بقيام الليل فإن في القيام تمرين النفس على المشقة ومشق مخالفات الطبع أو لأن الصلاة كانت قرة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :( جعلت قرة عيني في الصلاة )١١ رواه أحمد والنسائي والبيهقي عن أنس، وقال :( أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها )١٢ رواه أبو داود عن رجل صحابي من خزاعة فحينئذ يكون في التهجد تحصيل ما يعالج به ثقل التوجه إلى الخلق أو لأن لقيام الليل تأثير التأثر نفسه لشريعة في نفوس الأمة كي يجيبوا دعوته حين يستمعوا قوله كما أجاب الجن دعوته حين يستمعوا القرآن أو لأن لقيام الليل مدخل في قيامه مقام الشفاعة لأنه حيث قال الله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ٧٩ ١٣.

١ سورة الشورى، الآية: ١٣..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح (٦٤٠٦)، وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٢٦٩٤)..
٣ سورة هود، الآية: ١١٢..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة (٣٢٩٧)..
٥ سورة المزمل، الآية: ٥..
٦ سورة الحشر، الآية: ٢١..
٧ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب حد الزنى (١٦٩٠)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: طيب عرق النبي صلى الله عليه وسلم في البرد وحين يأتيه الوحي (٢٣٣٣)..
٩ سورة المدثر، الآية: ٢..
١٠ سورة الشعراء، الآية ٢١٤..
١١ أخرجه النسائي في كتاب: عشرة النساء، باب: حب النساء (٣٩٣٩)..
١٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في صلاة العتمة (٤٩٧٧)..
١٣ سورة الإسراء، الآية: ٧٩..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير