ﭚﭛ

إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١ ( ١٨ ) فَقُتِلَ ٢ كَيْفَ قَدَّرَ( ١٩ ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ( ٢٠ ) ثُمَّ نَظَرَ( ٢١ ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٣ ( ٢٢ ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ( ٢٣ ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ ٤ يُؤْثَرُ ٥ ( ٢٤ ) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ( ٢٥ ) [ ١٨ -٢٥ ].
وهذه الآيات تصف موقف ذلك الكافر العنيد الذي أشير إليه في الآيات السابقة، فقد فكر في نفسه حينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن واستنتج وحسب أنه عرف الحقيقة قاتله الله ثم قاتله، فلم يلبث أن عبس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وتجهم، ثم أدبر عنه مستكبراً مستخفاً قائلاً : إن هذا هو من أعمال السحرة وأقوالهم المعروفة، وإنه ليس إلا من كلام البشر.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو واضح. وأسلوبها تنديدي وتقريعي ووصفي معا. والوصف قوي يكاد القارئ يرى منه موقف الكافر العنيد ماثلاً بارزاً.
وقد روى المفسرون : أن هذا الموقف الذي وصفته الآيات هو كذلك موقف الوليد بن المغيرة الذي روي عنه القول السابق في سياق الآيات السابقة. فقد روى الطبري في سياق هذه الآيات : أن الوليد قال لزعماء قريش : سأختبر لكم الليلة هذا الرجل. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قائماً يصلي ويقرأ القرآن فعاد فسألوه فقال : سمعت قولاً حلواً أخضر مثمراً يأخذ بالقلوب، فقالوا : هو شعر فقال : لا والله ما هو بالشعر، وليس أحد أعلم بالشعر مني. قالوا : فهو كاهن ؟ فقال : لا والله ما هو بكاهن فقد عرضت الكهانة عليّ. قالوا : فهو سحر الأولين اكتتبه ؟ فقال : لا أدري إن كان شيئا فهو إذاً سحر يؤثر. وقد روى ابن كثير في سياق تفسير هذه الآيات رواية أخرى فيها بعض المباينة متفقة في جوهرها مع الرواية السابقة.
ومهما يكن من أمر ففي الآيات صورة أخرى تكررت كثيرا فيما بعد، مما وجه للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة من ردود على دعوى نبوته وصلته بوحي الله. ففي سورة القلم حكي أنه قيل له إنه مجنون وإن ما يتلوه هو من أساطير الأولين. وهنا قيل له : إنه قول بشر وإنه مظهر من مظاهر السحرة والسحر. وكما ردّ القرآن على ذلك القول رداً قوياً أيضا. ثم بين بعد قليل جانباً من أهداف الدعوة السامية وحمل حلمة تنديدية على الذين يقفون منها موقف التكذيب والمناوأة. وهكذا يتسق الموقف في المنافحة والنضال ويصمد النبي صلى الله عليه وسلم بتأييد الله ووحيه. وهذا وذاك كلاهما ظل يتكرر في كل مناسبة وظل الموقف متسقاً في كل مشهد إلى أن حق الحق وزهق الباطل.
وحكاية قول الكافر : إن هذا إلا سحر يؤثر( ٢٤ ) إن هذا إلا قول البشر ( ٢٥ ) هي عن القرآن. وليس في السور الثلاث السابقة إلاّ حكاية مواقف حجاج وجحود وحملات على أصحابها. والمعقول أن يكون هذا القول هو في صدد مجموعات قرآنية أخرى، فيها مبادئ الدعوة وأهدافها، وهي التي كان يعنيها لفظ القرآن، ولو أنه صار علماً صادقاً على جميع محتويات المصحف على ما شرحناه في تفسير سورة المزمل ؛ ولذلك فإن هذه الآيات لا بد من أن تكون قد نزلت بعد نزول مجموعة من " هذا القرآن " وحينئذ يكون شكنا في صحة ترتيب هذه السورة والسور الثلاث السابقة لها في محله ؛ إلا إذا صحت روايات تبكير نزول مطالعها منفصلة عن سائرها لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته وإعداده وحسب. وباستثناء مطلع سورة العلق، فإن روايات المطالع الأخرى موضع نظر على ما نبهنا عليه.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير