ﰥﰦﰧﰨ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٣:الآيات ٤٣ -٤٧ : فيقولون إذ ذاك : لم نك من المصلين [ ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ]١.
ألا ترى إلى قوله تعالى : فاطلع فرءاه في سواء الجحيم ؟ [ الصافات : ٥٥ ] فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم. فإذا رأوهم٢ سألوهم عن ذلك بقوله تعالى : ما سلككم في سقر ؟ فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله : لم نك من المصلين إلى قوله : وكنا نكذب بيوم الدين [ حتى أتانا اليقين ]٣.
والأصل أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان، إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان أريد بها أعين تلك الأفعال.
والذي يدل على هذا، هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان، فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها، وإنما أريد بها القبول والإقرار بها.
والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله عز وجل : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه [ يس : ٤٧ ] فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام، فدلّ أنه أريد بذكر الإقامة قبولها لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقرّوا بإيتاء الزكاة.
وقد يجوز أن تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول كقوله٤ تعالى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [ التوبة : ٥ ] ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرائط التخلية، بل كان معناه على القبول. فإذا أقروا بالصلاة، وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزمت تخلية سبيلهم، وإن لم يوجد منهم الفعل بعد.
فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل لما ذكرنا هذا إذا ثبت أن تأويل قوله : لم نك من المصلين منصرف إلى الصلاة المعروفة.
فكيف، وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين الموحدون٥ ههنا لأن أهل الصلاة، هم المسلمون ؟ يقال : أجمع أهل الصلاة على هذا، ويعنى به المسلمون.
ثم الله عز وجل جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة والإطعام٦، وهذا، والله أعلم، يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة، هو الذي يقر بيوم[ الدين ]٧ لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي تركها٨ مخافة التبعة في العواقب.
فإذا لم يقر بيوم [ الدين ]٩ لم يرج المنافع، ولا خاف المضار، فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة وعلى ترك إيتاء الزكاة وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله عز وجل : أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين [ الماعون : ١ -٣ ] لعدم رجاء العواقب. فإذا لم ير لفعله عاقبة لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بإحسان[ إلى ]١٠ المسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم وترك الصلاة وإيتاء الزكاة وترك الإطعام.
[ والثاني ]١١ : أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وضعت عليهم بالإسلام لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطعام المساكين وصيام شهر رمضان وغير ذلك من العبادات، فاشتد عليهم، فتركوا الإيمان بها لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان.
وقوله تعالى : وكنا نخوض مع الخائضين فالخائض هو الذي يخوض في الباطل.
وقوله تعالى : حتى أتانا اليقين أي حتى أيقنا أنا كنا على باطل في ما كنا نخوض فيه.

١ في الأصل و م: إلى آخر الآية..
٢ في الأصل و م: رأوا..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: قال الله..
٥ في الأصل: الموحدين، ساقطة من م..
٦ الواو ساقطة من الأصل و م..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و م: بتركها..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ في الأصل و م: وجائز..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية