وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣):
إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان بالآخرة؛ وإلا لو آمنوا بها، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد والتعنت، وعلى ترك الجسر على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويدعوهم إلى الإذعان للحق.
وقوله: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) سنذكر معنى هذه الآية في سورة " عبس وتولى "، وسنذكر معنى قوله: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) في سورة " إذا الشمس كورت ".
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦):
فأهل التأويل صرفوا قوله (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) إلى اللَّه تعالى.
وجائز أن يصرف إلى البشر.
فإن كان المراد من قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى): البشر؛ فيكون معنى قوله: (هُوَ أَهْلُ التقوَى)، أي: الذي يقوم بالذكر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)، فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى، وإن كان المراد من قوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى)، أي: اللَّه - سبحانه وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه تعالى.
والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر؛ لإحدى خصال ثلاث:
إحداها: لما يرى من افتقاره وحاجته إليه؛ فيتقي العثرة إليه؛ تبجيلا وتعظيما.
أو يتقي زلته؛ ذلك لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه.
أو يتقي زلته؛ لكثرة نعمه وأياديه؛ استحياء منه.
وإذا كانت هذه الأشياء هي الداعية إلى الاتقاء، فإن الخلائق بأجمعهم مفتقرون ومحتاجون إلى اللَّه تعالى، وله القدرة والسلطان عليهم، وهو المنعم المتفضل على كل أحد، فهو أهل أن يعظم ويوقر، وأن يخاف نقمته، ويستحيا منه، ومن اتقى صار أهلا لأن يغفر له.
وجائز أن يكون معنى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى)، أي: هو أهل لأن يسأل منه ما يتقي به من النار بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، وبقوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، ثم علمنا وجه الاتقاء
بقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فبين أن الاتقاء أن يفزع إلى اللَّه تعالى، ويتضرع إليه؛ ليتقي بفضله ورحمته، وقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، فأمرنا - جل جلاله - بالمناصبة مع الشيطان؛ للمحاربة، وأخبر أن محاربته أن نفزع إلى اللَّه - تعالى - بالاستعاذة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، وقال في آية أخرى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ...) الآية، فهو أهل أن يطلب منه ما يتقي به، وأهل أن يستعاذ به؛ لدفع كيد العدو.
(وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، أي: أهل أن يطلب منه المغفرة، جعلنا اللَّه - تعالى - من أهل التقوى والذين من عليهم بالمغفرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، أي: هو أهل أن يتقي عنه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه، واللَّه المستعان.
* * *
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم