ﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩ ﯫﯬﯭﯮ

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الصَّبْرِ، أَيْ اصْبِرْ لِأَجْلِ رَبِّكَ عَلَى كُلِّ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ.
وَتَقْدِيمُ لِرَبِّكَ عَلَى « (اصْبِرْ) لِلِاهْتِمَامِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَصْبِرُ لِأَجْلِهَا مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللَّامَ فِي لِرَبِّكَ لَامَ التَّعْلِيلِ، أَيْ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لِأَجْلِهِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى: إِنَّهُ يَصْبِرُ تَوَكُّلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى جَزَاءَهُمْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ مَا لَحِقَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
وَالصَّبْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ فِي [الْبَقَرَةِ: ٤٥].
وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ (رَبِّكَ) إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ بِرٌّ بِالْمَوْلَى وَطَاعَةٌ لَهُ.
فَهَذِهِ سِتُّ وَصَايَا أَوْصَى اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَبْدَأِ رِسَالَتِهِ وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْقُرْآنِ أَرَادَ اللَّهُ بِهَا تَزْكِيَةَ رَسُولِهِ وَجَعْلَهَا قدوة لأمته.
[٨- ١٠]
[سُورَة المدثر (٧٤) : الْآيَات ٨ إِلَى ١٠]
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
الْفَاءُ لِتَسَبُّبِ هَذَا الْوَعِيدِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ فِي قَوْله فَأَنْذِرْ [المدثر: ٢]، أَيْ فَأَنْذِرِ الْمُنْذَرِينَ وَأَنْذِرْهُمْ وَقْتَ النَّقْرِ فِي النَّاقُورِ وَمَا يَقَعُ يَوْمَئِذٍ بِالَّذِينَ أُنْذِرُوا فَأَعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ، إِذِ الْفَاءُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُرْتَبِطَةً بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا على فَاصْبِرْ [المدثر: ٧] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
والنَّاقُورِ: الْبُوقُ الَّذِي يُنَادَى بِهِ الْجَيْشُ وَيُسَمَّى الصُّورَ وَهُوَ قَرْنٌ كَبِيرٌ، أَوْ شِبْهُهُ يَنْفُخُ فِيهِ النَّافِخُ لِنِدَاءِ نَاسٍ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ مِنْ جَيْشٍ وَنَحْوِهِ، قَالَ خُفَافُ بْنُ نَدْبَةَ:

إِذَا نَاقُورُهُمْ يَوْمًا تَبَدَّى أَجَابَ النَّاسُ مِنْ غَرْبٍ وَشَرْقِ
وَوَزْنُهُ فَاعُولٌ وَهُوَ زِنَةٌ لِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِعْلُ مِنَ النَّقْرِ وَهُوَ صَوْتُ اللِّسَانِ مِثْلَ

صفحة رقم 300

الصَّفِيرِ
فَقَوْلُهُ نُقِرَ، أَيْ صُوِّتَ، أَيْ صَوَّتَ مُصَوِّتٌ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ.
وَ (إِذَا) اسْمُ زَمَانٍ أُضِيفَ إِلَى جُمْلَةِ نُقِرَ فِي النَّاقُورِ وَهُوَ ظَرْفٌ وَعَامِلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ فِعْلٍ، أَيْ عَسُرَ الْأَمْرُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَفَاءُ فَذلِكَ لِجَزَاءِ (إِذَا) لِأَنَّ (إِذَا) يَتَضَمَّنُ مَعْنَى شَرْطٍ.
وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَدْلُولِ (إِذَا نقر)، أَي فَلذَلِك الْوَقْتُ يَوْمٌ عَسِيرٌ.
ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَقَعَ لِبَيَانِ اسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى نَحْوِ مَا يُبَيَّنُ بِالِاسْمِ الْمَعْرُوفِ بِ «أَلْ» فِي نَحْوِ ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [الْبَقَرَة: ٢].
وَوُصِفَ الْيَوْمُ بِالْعَسِيرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ عَلَى الْحَاضِرِينَ فِيهِ، فَهُوَ وَصْفٌ مَجَازِيٌّ عَقْلِيٌّ. وَإِنَّمَا الْعَسِيرُ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَحْدَاثِ.
وعَلَى الْكافِرِينَ مُتَعَلِّقٌ بِ عَسِيرٌ.
وَوَصْفُ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ بِصِفَاتِ أَحْدَاثِهِ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ، قَالَ السَّمَوْأَلُ، أَوِ الْحَارِثِيُّ:

وَأَيَّامُنَا مَشْهُورَةٌ فِي عَدُوِّنَا لَهَا غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وَحُجُولُ
وَإِنَّمَا الْغُرَرُ وَالْحُجُولُ مُسْتَعَارَةٌ لِصِفَاتِ لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ فِي أَيَّامِهِمْ، وَفِي الْمَقَامَةِ الثَلَاثِينَ «لَا عَقَدَ هَذَا الْعَقْدَ الْمُبَجَّلِ، فِي هَذَا الْيَوْمِ الْأَغَرِّ الْمُحَجَّلِ، إِلَّا الَّذِي جَالَ وَجَابَ، وَشَبَّ فِي الْكُدْيَةِ وَشَابَ» وَقَالَ تَعَالَى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ [١٦].
وغَيْرُ يَسِيرٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى عَسِيرٌ بِمُرَادِفِهِ. وَهَذَا مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا يُقَالُ: عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، قَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
فَلْيَكُنِ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ وَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السَّالِبِ
وَعَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ التَّأْكِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [الْأَنْعَام: ١٤٠] قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الْأَنْعَام: ٥٦]. وَأَشَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا التَّأْكِيدِ مَا

صفحة رقم 301

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية