قوله : لاَّبِثِينَ . منصوب على الحال من الضمير المستتر في«للطاغين »، وفي حال مقدرة.
وقرأ حمزة١ :«لبثين » دون ألف.
والباقون :«لابثين » بألف.
وضعف مكي قراءة حمزة، قال : ومن قرأ :«لبثين » شبهه بما هو خلقة في الإنسان نحو حِذْر وفِرْق، وهو بعيد ؛ لأن اللبث ليس مما يكون خلقة في الإنسان وباب فعل إنما يكون لما هو خلقة في الإنسان. وليس اللبس بخلقة.
ورجَّح الزمخشري قراءة حمزة، فقال :«قرأ : لابثين «ولبثين » واللبث أقوى ؛ لأن اللاَّبث يقال لمن وجد منه اللبث، ولا يقال : لبث إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفكّ منه ».
وما قاله الزمخشري أصوب.
وأمَّا قولُ مكيٍّ : اللبث ليس بخلقة، فمسلم لكنه بولغ في ذلك، فجعلَ بمنزلة الأشياء المختلفة.
و«لابثين » اسم فاعل من «لبث »، ويقويه أنَّ المصدر منه «اللّبث » - بالإسكان - ك «الشرب ». قوله :«أحْقَاباً » منصوب على الظرف، وناصبه «لاَبِثيْنَ »، هذا هو المشهور، وقيل : منصوب بقوله :«لا يذوقون »، وهذا عند من يرى تقدم معمول ما بعد «لا » عليها وهو أحد الأوجه، وقد مر هذا مستوفًى في أواخر الفاتحة وجوَّز الزمخشري أن ينتصب على الحال. قال :«وفيه وجه آخر : وهو أن يكون من : حَقِبَ عامنا إذا قلَّ مطرهُ وخيرهُ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق، فهو حقبٌ وجمعه :«أحْقَاب »، فينتصب حالاً عنهم، بمعنى : لابثين فيها حقبين جحدين ». وتقدم الكلام على الحقب في سورة «الكهف »٢.
قال القرطبي٣ : و«الحِقْبَةُ » - بالكسر- : السَّنة، والجمع حِقَب ؛ قال متممُ بنُ نويرةَ :[ الطويل ]
٥٠٧٥- وكُنَّا كَنَدْمَانَي جَذيمَةَ حِقْبَةً *** مِنَ الدَّهْرِ حتَّى قيلَ : لَنْ يتصدَّعا٤
والحُقْبُ - بالضم والسكون - : ثمانون سنة.
وقيل : أكثر من ذلك وأقل، والجمع :«أحْقَاب ».
قال الفراءُ : أصل الحقبة من الترادُف والتتابُع، يقال :«أحْقَبَ » : إذا أردف، ومنه الحقبة، ومنه كل من حمل وزراً فقد احتقب، فعلى هذا معناه : لابثين فيها أحقاباً، أي : دُهوْراً مُترادِفَةً يتبع بعضهم بعضاً.
فصل في تحرير معنى الآية
المعنى : ماكثين في النَّار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكُلَّما مضى حُقبٌ جاء حُقبٌ، و«الحُقُبُ » -بضمتين- : الدَّهْرُ، والأحقابُ : الدهور، والمعنى : لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها، فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليها، إذ في الكلام ذكر الآخرة، كما يقال : أيَّامُ الآخرة، أي : أيام بعد أيام إلى غير نهاية، أي : لابثين فيها أزماناً ودهوراً، كُلَّما مضى زمنٌ يعقبهُ زمنٌ، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبداً من غير انقطاع، فكأنه قال : أبداً، وإنَّما كان يدل على التوقيت لو قال : خمسة أحقاب، أو عشرة ونحوه، وذكر الأحقاب ؛ لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم، فذكر ما يفهمونه، وهو كناية عن التأبيد، أي : يمكثون فيها أبداً.
وقيل : ذكر الأحقاب دون الأيام ؛ لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود، وهذا الخلود في حق المشركين، ويمكن حمله على العصاة الذين يخرجونَ من النار بعد العذاب.
وقيل : الأحقاب وقت شربهم الحميم والغسَّاق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب، ولهذا قال تعالى : لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً أي : في الأرض لتقدم ذكرها ويكون
٢ الآية: ٦٠..
٣ الجامع لأحكام القرآن ١٩/١١٦..
٤ ينظر شعر متمم بن نويرة ص ١١١، والمفضليات ص ٥٣٥، والقرطبي ١٩، ١١٦، ومجمع البيان ١٠/٦٤١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود