المعنى الجملي : بعد أن قص على المشركين قصص موسى عليه السلام مع فرعون وأومأ بهذا القصص إلى أنهم لا يعجزون الذي أخذ من فرعون ونكل به وجعله عبرة للباقين، وسلى به رسوله حتى لا يحزن لتكذيب قومه له، وعدم إيمانهم بما جاءهم به، أخذ يخاطب منكري البعث، وينبههم إلى أنه لا ينبغي لهم أن يجحدوه فإن بعثهم هين إذا أضيف إلى خلق السماوات التي تدل بحسن نظامها وجلالها، على حكمة مبدعها وعظيم قدرته، وواسع حكمته، وإلى خلق الأرض التي دحاها بعدها وجعلها معدة للسكنى، وهيأ فيها وسائل المعيشة للإنسان والحيوان، فأخرج منها الماء الذي به حياة كل شيء وأنبت فيها النبات الذي به قوام الإنسان والحيوان.
شرح المفردات : أشد خلقا : أي أصعب إنشاء، والبناء : ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة، والسمك : قامة كل شيء، فسواها : أي جعل كل جزء موضوع في موضعه.
إنكم لا تنازعون في أنها أشد منكم خلقا، ومع ذلك لم نعجز عن إبداعها، فكيف تظنون أنا نعجز عن إعادتكم بعد موتكم، يرشد إلى ذلك قوله : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [ غافر : ٥٧ ]. وقوله : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [ يس : ٨١ ].
وفي هذا من التقريع والتوبيخ ما لا يخفى.
وبعد أن أشار إلى عظم خلق السماوات إجمالا شرع يبين ذلك تفصيلا فقال :
بناها* رفع سمكها فسواها أي ضم أجزاءها المتفرقة وربطها بما يمسكها حتى حصل عن جميعها بنية واحدة، فقد أبدع في خلق الكواكب وجعل كل كوكب منها على نسبة من الآخر، وجعل لكل منها ما يمسكه في مداره حتى كان من مجموعها ما يشبه البناء وهو ما نسميه بالسماء.
وقد جعلها ذاهبة في العلو صعدا، وعدلها فوضع كل جزء منها في موضعه الذي يستحقه ويحسن أن يكون فيه.
تفسير المراغي
المراغي