كما أخرجك ربك من بيتك الذي بالمدينة أو المراد بالبيت المدينة نفسها لأنها مهاجره مسكنه فهي مختصة به كاختصاص البيت بصاحبه بالحق متعلق بإخراج أي إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب لقتال الكفار ببدر، وقوله كما أخرجك إما مبتدأ محذوف تقديره هذا الحال يعني كون الأنفال لله والرسول وتقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال بين الناس على السواء وكراهة بعض الناس يعني الشبان المقاتلة ثابت كحال إخراجك الله للحرب وكراهيتهم به، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله لله والرسول أي الأنفال ثبت لله والرسول مع كراهيتهم ثباتا ثبات إخراجك ربك من بيتك كذا قال : المبرد : وقيل : تقديره امض لأمر الله تعالى في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت أمر الله في الخروج من البيت.
قصة غزة بدر
والسبب في خروج النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع أبا سفيان بن حرب مقبلا من الشام من ألف بعير لقريش فيها أموال عظام ولم يبق بمكة ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في العير فقال : إن فيها خمسين ألف دينار وفيها سبعين رجلا كذا ذكر ابن عقبة وابن عابد.
قال البغوي : قال : ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق و السدي أقبل أبو سفيان من الشام في أربعين راكبا من كبار قريش فيهم عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهري فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج معه وقال " هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا لعل الله أن يغنمكوها " فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وتخلف عنه بشر كثير وكان من تخلف لم يلم، أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا ولم يحتفل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفالا بليغا فقال : من كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنوه من ظهورهم في علو المدينة قال : لا إلا من كان ظهره حاضرا. وبعث رسول الله صلى الله عليه قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيدة الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان خبر العير، فبلغا أرض خوار فنزلا على كشد بن مالك الجهني فأجارهما وأنزلهما وكتم عليها حتى مرت العير ثم خرجا وخرج معهما كشد حتى أورد هما ذا المروة، فقدما ليخبرا رسول الله صلى الله عليه فوجداه قد خرج فلما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبع أقطعه الكشد، فقال يا رسول الله إني كبير لكن أقطعها لأبن أخي فأقطعه إياها فابتاعها منه عبد الرحمان بن سعد بن زرارة رواه عمر بن شيبة وأدرك أبا سفيان رجل من خدام بالرزقا فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر رجوع العير فخرج أبو سفيان ومن معه خائفين للرصد ولما دنا أبو سفيان من الحجاز جعل يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان نخوفا على أمر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمد صلى الله عليه وسلم قد استنفر لك ولعيرك فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا فبعثه إلى مكة وأمره أن يجدع بعيره ويحول رحله ويشق قميصه قبله ومن دبره إذا يأتي قريشا وليستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم مسرعا إلى مكة وفعل ما أمره به أبو سفيان.
ذكر منام عاتكة
روى ابن إسحاق والحاكم و البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس وموسى بن عقبة وابن اسحاق عن عروة و البيهقي عن ابن شهاب قالوا : رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم على قريش بثلاث ليال رؤيا فأصبحت عاتكة فأعظمتها، فبعث إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقال : له : يا أخي لقد رأيت رؤيا أفظعتني ليدخلن على قريش منها شر وبلاء، فقال : ماهي ؟ فقالت : لن أحدثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها فإنهم إن يسمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب فعاهد العباس، فقال : رأيت أن رجلا أقبل على بعير فوق الأبطخ فصاح بأعلى صوته انفروا يا آل عذر إلى مصارعكم في ثلاث صيحات ما رأى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ثم مثل به بعيره فإذا هو على رأس الكعبة فصاح ثلاث صيحات فقال : انفروا يا آل عذر إلى مصارعكم في ثلاث، ثم أرى بعيره مثل على رأس أبي قبيس فقال : انفروا يا آل عذر إلى مصارعكم في ثلاث ثم أخذ صخرة عظيمة فنزعها من أصلها فأرسلها من أصل الجبل فأقبلت الصخرة تهوي لها حس شديدة حتى إذا كانت في أسفل رفضت فما بقيت دار من دور قومك ولا بيت إلا دخل فلقه.
فقال العباس والله إن هذه لرؤيا فاكتميها لئن بلغت هذه قريشا ليؤذوننا فخرج العباس من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان صديقا له فذكرها واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة فتحدث بها و فشى الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش.
قال العباس فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني قال : يا أبا فضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال : لي أبو جهل : يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية، قلت وما ذاك ؟ قال : رؤيا عاتكة، قلت وما رأت ؟ قال يا بني عبد المطلب ما رضيتم أن تنبأ رجالكم حتى تنبأ نساءكم ولفظ ابن عقبة أما رضيتم يا بني هاشم يكذب الرجال حتى جئتم بكذب النساء إنا كنا و إياكم كفرسي رهان فاستبقنا المجد منه فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي يفي إلا أن تقولوا منا نبية فما أعلم في قريش أهل بيت كذب امرأة ولا رجلا منكم وآذاه أشد الإذاء قد زعمت عاتكة في رؤيا ها أنه قال : انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون وإن تمضي الثلاث ولم يكن كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل في العرب.
قال العباس فو الله ما كان مني إليه كثيرا إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا وعند أبي عقبة في هذا الخبر ان العباس قال : لأبي جهل : هل أنت منته فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك فقال : من حضرهما : ما كنت جهولا يا أبا الفضل و ولا أحمق خرقا، وكذلك قال : ابن عابد وزاد مهلا يا مصفر أستة. ولقي العباس عاتكة أذى شديدا حين أفشا حديثها لهذا الفاسق، قال العباس : فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني قال أقررتم لهذا الخبيث الفاسق أن يقع في رجالكم ثم قد تناول نساءكم وأنت تسمع ثم لم يكن عندك كبير شيء مما سمعت، قلت : قد والله قدما نعت ما كان مني إليه كبير شيء مما سمعت ولهم الله لا تعرض له فإن عاد لأكفيكنه، قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا جديد مغضب أرى أني فاتتني منع أمر أحب أن أدركه منه قال : فدخلت المسجد فرأيته والله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال : فأقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه جديد اللسان حديد النظر إذا خرج نحو باب المسجد يشتد قلت : في نفسه ماله لعنه الله أكل هذا فرقا مني أن أشاتمه قال : وإذا هس قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمر يصرخ في بطن الوادي واقفا على بعيره وحول رجله وشق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش يا آل لوت بن غالب اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أب سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أدري تدركوها الغوث والله ما أرى الغوث الغوث والله ما أرى ان تدركوها ففزعت قريش أشد الفرع وأشفقوا من رؤيا عاتكة فشغله ذلك عني وشغلني عنه ما جاء من الأمر وقالت عاتكة شعر :
ألم تكن رؤيا بحق وجاءكم بتصديقها قل من القوم هارب
فقلت ولم أكذب كذبت وإنما يكذبنا بالصدق من هو كاذب
فتجهز الناس سراعا وقالوا : يظن محمد وأصحابه أن يكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانة رجلا، وكان جهازهم في ثلاثة أيام ويقال يومين وأعان قويهم ضعيفهم ولم يتركوا كارها للخروج يظنون أنه في صف محمد وأصحابه ولا مسلما يعلمون إسلامهم ولا أحد من بني هاشم إلا من لا يتهمونه إلا أشخاصه معهم وكان ممن أشخص العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وطالب و عقيل ابني أبي طالب في آخرين، ولم يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعثا إلا أبا لهب مشوا إليه فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا ويقال : إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وأسلم بعد ذلك وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه فاستأجره بها على أن يجري عن بعثه فخرج عنه، وتخلف أبو لهب منعه من الخروج رؤيا عاتكة فإنه كان يقول : رؤيا تأخذ باليد و استقسم أمية بن خلف وعتبة بن الشيبة وزمعة بن الأسود وعامر بن وهب وحاكم بن خرام وغيرهم عند هبل بالآمر والناهي من الأزلام فخرج القدح النهاهي من الخروج فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل، ولما أجمع أمية بن خلف العقود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا أتى عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المجلس بين ظهراني قومه في منارة و مجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا علي فإنما أنت من النساء، فقال : قبحك الله وقبح ما جئت به ثم جهز فخرج مع الناس.
قال ابن إسحاق وغيره ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير وخرجوا على الصعب و الذلول معهم القيان والدفوف ذكروا ما بينهم وبين بني بكر ابن عبد مناة بن كنانة من الدماء فقالوا : إن نخشى ان يأتينا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم، فبدا لهم عدو الله إبليس في صورة سراقة بن مالك الكتاني وكان من أشراف بني كنانة فقال : أنا جار لكم من أن يأتيكم كنانة من خلفكم شيء تكرهونه فخرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل وقيل : في ألف، وكان معهم مائتا فرس وستمائة درع ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد فقال : ابن عقبة وابن عابد وأقبل المشركين ومعهم إبليس يعدهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم من الناس وإني جار لكم.
قال في الامتناع : فلما نزلوا بمر الظهران نحر أبو جهل عشر جزور فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها ورأى ضمضم بن عمرو أن وادي مكة يسيل دما من أسفله وأعلاه ونحر لهم أمية بن خلف بعسيف تسعا ونحر سهيل بن عمرو بقديد عشرا وأسلم بعد ذلك ثم مالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها فأقاموا بها فنحر لهم يوئد عقبة بن ربيعة عشرا ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا عشرا ثم أكلوا من أزوادهم. فلما وصلوا الجحفة عشاء نزلوا هناك، روى البيهقي عن ابني شهاب وابن عقبة وعروة بن الزبير قالوا : لما نزلت قريش بالجحفة فيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناة يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة وأسلم بعد ذلك في حنين فوضع جهيم رأسه فأغفى فقام : لأصحابه هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفا ؟ قالوا : إنك مجنون، قال : قد علي فارس آنفا، فقال : قتل أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف وعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته ضرب في في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه فقال : أصحابه : إنما لعب بك الشيطان، ودفع الحديث إلى أبي جهل فقال : قد جئتم بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة واستخلف ابن أم مكتوم عليه الصلاة ورد أبا لبابة من الروحاء واستخلفه على المدينة، قال : ابن سعد : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت لاثني عشرة ليلة خلت من رمضان، وقال ابن هشام لثمان وضرب عسكره ببثر أبي عتبة على ميل من المدينة فعرض أصحابه وورد من استصغرهم منهم فرد عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأسد بن حضير وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعمي
التفسير المظهري
المظهري