ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال :
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون
قلت : كما أخرجك خبر عن مبتدأ محذوف، أي : هذه الحال، وهي عزلهم عن تولية الأَنفال في كراهتهم لها، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة، مثل حالهم في كراهية خروجك، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله : لله والرسول أي : الأنفال تثبت لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، مع كراهتهم، ثباتاً مثل ثبات إخراجك ربُّك من بيتك، يعني المدينة ؛ لأنها مسكنه أو بيته منها، وجملة : وإن فريقاً حال مِن أخرجك، أي : أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين.
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم : قد كره أصحابُك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك ربُّك من بيتك بالحق لقتال العدو، والحال أن فريقاً من المؤمنين لكارهون خروجك لذلك، وتلك الكراهية من قِبل النفس وطبع البشرية، لا من قِبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله، فإنهم راضون مستسلمون، غير أن الطبع ينزع لِحَظَّه، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي