و «١» قد قَرَأَ بعضهم: «أأن جاءَه الأعمى» «٢» بهمزتين مفتوحتين، أي: أن جاءَه عبس، وهو «٣» مثل قوله: «أأَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ «٤» ».
وقوله عزَّ وجل، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦).
ولو قرأ قارئٌ: «تَصَدَّى» «٥» كان صوابًا.
وقوله عز وجل: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١).
هَذِهِ السُّورة تذكرة، وإن شئت جعلت الهاء عمادا لتأنيث التذكرة.
«فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ «٦» » (١٢) ذكر القرآن رجع «٧» التذكير إلى الوحي.
«فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ» (١٣).
لأنها نزلت من اللوح «٨» المحفوظ مرفوعة عند ربك هنالك مطهرة، لا يمسها إلا المطهرون، وهذا مثل قوله: «فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً «٩» ».
جعل [١٢٦/ ب] الملائكة والصحف مطهرة لان الصحف يقع عليها التطهير، فجعل التطهير لمن حملها أيضًا.
وقوله عز وجل: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥).
وهم الملائكة، واحدهم سافر، والعرب تَقُولُ: سفرت بين القوم إِذَا أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إِذَا نزلت بوحي اللَّه تبارك وتعالى وتأديبه كالسفير الَّذِي يصلح بين القوم، قَالَ «١٠» الشَّاعِر
| وما أدعُ السِّفارةَ بينَ قومي | وما أمْشي يغشّ إن مشيت «١١» |
(٢) قرأ الجمهور «أن» بهمزة واحدة ومدة بعدها وبعض القراء بهمزتين محققتين (البحر المحيط ٨/ ٤٢٧).
(٣) فى ش وهل.
(٥) قراءة العامة: «تَصَدَّى» بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفا، وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الإدغام القرطبي (١٩/ ٢١٤)
(٦) سقط فى ش.
(٧) فى ش: ثم رجع.
(٨) كذا فى ش.
(٩) سورة النازعات الآية: ٥
(١٠) فى ش: وقال.
(١١) ورد فى القرطبي ١٩/ ٢١٦ ولم ينسبه، وفيه (فما) مكان (وما) - فى صدر البيت-، وفيه: (ولا) مكان، (وما) فى عجزه. وفى البحر المحيط ٨/ ٤٢٥: (فما) مكان (وما) فى صدر البيت، وما أسعى مكان: (وما أمشى) فى عجزه.
والبررة: الواحد منهم فِي قياس العربية بار لأن العرب لا تَقُولُ: فَعَلة يَنْوُونَ بِهِ الجمع إلا والواحد مِنْهُ فاعل مثل: كافر وكفرة، وفاجر فجرة. فهذا الحكم عَلَى واحده بار، والذي تَقُولُ العرب:
رَجُل بَرّ، وامرأة برة، ثُمَّ جمع عَلَى تأويل فاعل، كما قَالُوا: قوم خَيَرَة بَرَرَة. سمعتها من بعض «١» العرب، وواحد الخَيرَة: خيّر، والبررة: برٌّ. ومثله: قوم سَراةٌ، واحدهم: سِرى. كَانَ ينبغي أن يكون ساريًا. والعرب إِذَا جمعت: ساريًا جمعوه بضم أوله فقالوا: سُراة وغُزاة. فكأنهم إذ قَالُوا: سُرَاة: كرهوا أن يضموا أوله. فيكون الواحد كأنه سارٍ، فأرادوا أن يفرقوا بفتحة أول سراة بين: السرىّ والساري.
وقوله عز وجل: ما أَكْفَرَهُ (١٧) يكون تعجبًا، ويكون: ما الَّذِي أكفره؟. وبهذا الوجه الآخر جاء التفسير، ثُمَّ عجّبه، فَقَالَ:
«مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» (١٨) ثم [١٢٧/ ا] فسّر فقال: «مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» (١٩) أطورا نطفة، ثُمَّ علقة إلى آخر خلقِه، وشقيًا أَوْ سعيدًا، وذكرًا أَوْ أنثى.
وقوله عزَّ وجل: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ «٢» (٢٠) معناه: ثُمَّ يسره للسبيلِ، ومثله: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ»، أي: أعلمناه طريق الخير، وطريق الشر.
وقوله عز وجل: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) جعله مقبورا، ولم يجعله ممن يُلْقَى للسباع والطير، ولا ممن يلقى فِي النواويس، كأن القبر مما أكرم المسلم بِهِ، ولم يقل: فقبره لأنّ القابر هُوَ الدافن بيده، والمُقبِر: اللَّه تبارك وتعالى لأنه صيره ذا قبر، وليس فعله كفعل الآدمي. والعرب تَقُولُ: بترتُ ذنب البعير، والله أبتره.
وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلانًا عني، والله أطرده «٣» صيّره طريدًا، ولو قَالَ قائل:
فقبره، أَوْ قَالَ فِي الآدمي: أقبره إِذَا وجهه لجهته صلح، وكان صوابًا ألا ترى أنك تَقُولُ: قتل فلان أخاه، فيقول الآخر: اللَّه قتله. والعرب تَقُولُ: هَذِهِ كلمة مُقتلة مُخيفة إِذَا كانت من قالها قُتِل قيلت هكذا، ولو قيل فيها: قاتلة خائفة كَانَ صوابًا، كما تَقُولُ: هَذَا الداء قاتِلك.
(٢) سورة الإنسان الآية: ٣.
(٣) كذا فى ش، وفى ب، ح: وصيره، تحريف. [.....]
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي