ﯡﯢﯣﯤﯥ

- الشيطان : العاتي القوي من الإنس والجن.
- رجيم : مرجوم ومطرود من رحمة الله١.
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ١ ( ١٥ ) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ٢ ( ١٦ ) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ٣ ( ١٧ ) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ٤ ( ١٨ ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ( ١٩ ) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( ٢٠ ) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ( ٢١ ) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ( ٢٢ ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( ٢٣ ) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ ٥ بِضَنِينٍ ٦ ( ٢٤ ) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ ٧ رَجِيمٍ ٨ ( ٢٥ ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( ٢٦ )إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ( ٢٧ ) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ( ٢٨ ) وَمَا تَشَاؤونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( ٢٩ ) [ ١٥- ٢٩ ].
وفي هذه الآيات قسم بالمشاهد الكونية المذكورة وحركاتها بأن الذي يبلغ وحي الله هو رسول كريم أمين على ما ينقل قوي على حمل الأمانة حظي عند الله، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجنوناً وبأنه قد رأى ملك الله في أفق السماء، وبأنه صادق فيما يقول غير متهم في أمانته، وغير مخف شيئا مما رآه وسمعه وعرفه، وبأن ما يبلغه ليس من تخليط الشيطان الرجيم وأقواله.
وسألت إحدى الآيات السامعين أين يذهبون في أمر النبي وماذا يظنون ؟ والسؤال ينطوي على تنديد بالمكذبين والمترددين في تصديق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وبأوهامهم وتفسيراتهم الخاطئة لما يخبر به من المشاهد الروحانية. ونبهت إحدى الآيات على أن ما يبلغه إنما هو تذكرة لهم وموعظة ؛ ليرى من شاء الحق فيتبعه ويستقيم عليه فيكون قد اهتدى بهدى الله ومشيئته التي تناط بها مشيئة الناس.
والآيات فصل مستقل الموضوع عن سابقاتها، غير أن الارتباط بينها وبين هذه السابقات قائم. فالأولى تخبر بيوم القيامة وأهواله ونتائجه وتنذر الناس بعواقب أعمالهم، والثانية تؤكد صدق الأخبار والإنذار وترد على الكفار ما يقولونه في صددهما وما ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تخطيط الشياطين عليه، والمرجح أن الفصلين نزلا متتابعين إن لم يكونا قد نزلا معا.
وقد ذكر المفسرون١عدة وجوه في صدد حرف " لا " الذي سبق فعل القسم فقالوا : إنه قد يكون مختصراً من " ألا " التنبيهية أو قد يكون حرف ابتداء فقط أي لأقسم بمعنى إني لأقسم، أو قد يكون حرف نفي، ليفيد أن الأمر المذكور صحيح وواضح لا يحتاج إلى القسم، أو قد يكون زائداً وليس حرف نفي. وقد أسهبنا في ذكر الوجوه لأن هذا قد تكرر أكثر من مرة في معرض التوكيد والقسم. ومهما يكن من أمر فالجملة قسمية على ما تلهمه روح الآيات. ولا شك أن هذا من الأساليب التي كانت مستعملة في كلام العرب. وفي سورة الواقعة هاتان الآيتان : فلا أقسم بمواقع النجوم ( ٧٥ )وإنه لقسم لو تعلمون عظيم( ٧٦ ) ، وفيهما صراحة بأن الجملة قسمية.
ولم نطلع على رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات. والمتبادر أنها نزلت رداً على أقوال تقولها الكفار والجاحدون. وقد انطوت على ردّ قوي يوحي بصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعمق إيمانه به واستناده فيه على الحقيقة الواقعة التي أدركها بالقوة التي اختصه الله بها، و يقضي على أي شك في نفس كل امرئ حسنت نيته ورغب عن المماراة بالباطل.
ونفي الآيات الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصلة الشيطان بما يبلغه دليل على أن المكذبين كانوا يقولون : إن ما يخبر به هو من تلقينات الشيطان. ويقصدون بذلك الجن على الأرجح لأن العرب كانوا يعتقدون أن شياطين الجن يوحون إلى الشعراء والكهان والسحرة. وقد يأتي على البال من هذا أن المكذبين كانوا حينما ينعتون النبي صلى الله عليه وسلم بالمجنون، ويقولون : إن به جنّة على ما حكته آيات عديدة منها آية سورة المؤمنون هذه : أم يقولون به جنّة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون( ٧٠ ) كانوا أحيانا يعنون أن له شيطانا من الجن يتصل به ويلقنه ما يقول على نحو ما كانوا يعتقدونه. والراجح أنهم نعتوه بالشاعر والكاهن والساحر بناء على هذا الاعتقاد.
وأكثر المفسرين٢يصرفون تعبير رسول كريم إلى الملك الذي كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وحي الله وقرآنه. والضمير في الآية [ ٢٣ ] يدعم هذا القول. ولقد ورد في الحديث المروي عن جابر بن عبد الله والذي ذكرناه في سياق تفسير سورة المدثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى الملك في أفق السماء. فالآية هنا على الأرجح في معرض التوكيد لهذه الرؤية الروحانية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها فكان المؤمنون يصدقونه والجاحدون يكذبونه. وتبكير نزول السورة يؤيد هذا ؛ حيث لم يكن قد مضى وقت طويل على هذه الرؤية. والتوكيد والنفي والتنديد في الآيات قوي يبعث اليقين في نفس من لا يتعمد العناد والمكابرة في صدق هذه المشاهدة، ويجلّي صورة رائعة لصميمية النبي صلى الله عليه وسلم ويقينه بصحة ما رأى، ويؤيد صحة الحديث.
وعلى المسلم أن يؤمن بذلك ويقف عنده ولا يزيد في الظن والتخمين في صدد الماهية والكنه. فلا طائل من وراء ذلك وهما سرّ من واجب الوجوب وسرّ النبوة والوحي الذي تقصر عنه عقول الناس.
تعليق على كلمة الشيطان
وبمناسبة ورود كلمة الشيطان لأول مرة نقول : إن المفسرين٢ قالوا : إن اشتقاق الكلمة عربي من شطن بمعنى بعد أو شاط بمعنى بطل وفسد، وإنها نعت لكل داهية قوي الحيلة والبغي. وقد خطر لبالنا أن يكون بينها وبين شط بمعنى جار وبغى صلة، ومنه ما جاء في آية ص هذه : فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط( ٢٢ ) ، وفعلان من الصيغ العربية التي تتضمن معنى الوصف والمبالغة. والمتبادر أن شيطان من هذا الباب اشتقت من جذر من الجذور الثلاثة.
والكلمة أكثر ما وردت في القرآن مرادفة لإبليس ومفهومه من إغواء الناس، كما جاء في آية سورة النساء هذه : الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ، وفي آيات سورة البقرة هذه : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ( ٣٤ ) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ( ٣٥ ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ( ٣٦ ) ، وقد وردت مرات عديدة للتعبير عن جبابرة الجن ومرة في شمولها لجبابرة الإنس كما جاء في آية سورة الأنعام هذه : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ( ١١٢ ) .
وقد قال بعض الباحثين : إنها دخيلة على العربية من كلمة سلطان أو جطان العبرية، وإن مفهومها المرادف لإبليس دخيل أيضا. ومع أن هذا المفهوم لا يبعد أن يكون منقولا إلى العرب من الكتابيين الذين وردت كلمة الشيطان في معرض إغواء الناس والوسوسة لهم في ما كان وما يزال متداولاً من أسفار وقراطيس مرات عديدة فإن وجود جذر عربي فصيح للكلمة لا يبرز إبعادها عن الأصالة العربية الفصحى. على أن هذا لا يمنع القول باحتمال وحدة جذر الكلمة في العربية والعبرية أيضا لأنهما شقيقتان ترجعان إلى أصل واحد.
ومهما يكن من أمر فإن من الحق أن يقال : إن الكلمة بقالبها الذي وردت به في القرآن قد استعملها العرب قبل نزولها وكانوا يفهمون كل الدلالات التي تدل عليها الآيات المتنوعة التي وردت فيها، وإنها تعد من اللسان العربي المبين ما دام القرآن يقرر أنه نزل بهذا اللسان. وهي هنا على كل حال تعني جبابرة الجن الذين كانوا يتنزلون على الشعراء والكهان والسحرة على ما كان يعتقده العرب. ونعت الشيطان بالرجيم يدل على أنه كان للشيطان في أذهان سامعي القرآن صورة بغيضة. وفي سورة الصافات هذه الآية من آيات فيها وصف لشجرة الزقوم الأخروية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين( ٦٥ ) حيث ينطوي في هذا أنه كان للشياطين في أذهانهم صورة مخيفة أيضاً.
وأسلوب مطلع السورة مما تكرر في مطالع عديدة أخرى بحيث يسوغ أن يقال : إنه أسلوب من أساليب النظم القرآني في مطالع السور.
ولقد علقنا على فقرة تشبه الآية الأخيرة في صدد إناطة مشيئة الناس بمشيئة الله في سياق تفسير سورة المدثر. وما قلناه هناك يصح هنا بتمامه فنكتفي بالإشارة دون الإعادة.

١ - انظر تفسير الكلمات في كتب التفسير المذكورة آنفا..
٢ - اقرأ تفسير الفاتحة في تفسير الطبرسي "مجمع البيان" وانظر مادة شط في أساس البلاغة للزمخشري.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير