ﭙﭚﭛ ﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣ ﭥﭦﭧ ﭩﭪﭫ

تفسير سورة التكوير
تسع او ثمان وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ارتفاع الشمس على انه فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور لا فاعله لان الفاعل لا يتقدم وعند البعض على الابتداء لان التقدير خلاف الأصل والاول اولى لان إذا فيها معنى الشرط والشرط مختص بالفعل وعلى الوجهين الجملة فى محل الجر باضافة إذا إليها ومعنى كورت لفت من كورت العمامة إذا لففتها بضم بعض اجزائها لبعض على جهة الاستدارة على ان المراد بذلك اما رفعها وإزالتها عن مقرها فان الثوب إذا أريد رفعه عن مكانه وستره بجعله فى صندوق او غيره يلف لفا ويطوى نحو قوله تعالى يوم نطوى السماء فكان بين السماء والرفع علاقة اللزوم فتكويرها كناية عن رفعها قال سعدى المفتى ولا منع من ارادة المعنى الحقيقي ايضا وكون الشمس كرة مصمتة على تسليم صحته لا يمنع من تلك الارادة لجواز أن يحدث الله فيها قابلية التكوير بأن يصيرها منبسطة ثم يكورها ان الله على كل شىء قدير انتهى. واما لف ضوئها المنبسط فى الآفاق المنتشر فى الأقطار بأن يكون اسناد كورت الى ضمير الشمس مجازيا او بتقدير المضاف على انه عبارة عن إزالتها والذهاب بها بحكم استلزام زوال اللازم لزوال الملزوم فاللف على هذا مجاز عن الاعدام إذ لا مساغ لارادة المعنى الحقيقي لان الضوء لكونه من الاعراض لا يتصور فيه اللف وقال بعضهم ان الله قادر على أن يطمس نورها مع بقائها فقول الكشاف لانها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف فيه نظر انتهى وجوابه ما أشير اليه من حكم الاستلزام وقيل معنى كورت ألقيت من فلكها على وجه الأرض كما وصفت النجوم بالانكدار من طعنه فكوره إذا ألقاه على الأرض وفى الحديث (ان الشمس والقمر نوران مكوران فى النار يوم القيامة) اى مرميان فيها ولما ذكر هذا الحديث عند الحسن البصري رحمه الله قال وما ذنبهما وقال الامام سؤال الحسن ساقط لان الشمس والقمر جمادان فالقاؤهما فى النار لا يكون سببا لمضرتهما ولعل ذلك يكون سببا لازدياد الحر فى جهنم وكذا قال الطيبي تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار لا سيما عباد الأنوار لا ليعذبهما فى النار فانها بمعزل عن التكليف بل سبيلهما فى النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها انتهى وكذا قال فى تفسير الفاتحة للفنارى ان السماء إذا طويت واحدة بعد واحدة يرمى بكواكبها فى النار. يقول الفقير قول الحسن أدق فان النور لا يلحق بالنار الا أن يكون فيه مرتبة النارية ايضا فالشمس يلحق نورها بنور العرش ونارها بنار جهنم وقد سبق فى سورة النبأ فارجع فان قيل كيف يمكن تكويرهما فى النار وقد ثبت بالهندسة ان قرص الشمس فى العظم يساوى كرة الأرض مائة وستين مرة وربع الأرض وثمنها أجيب بان الله تعالى قادر على أن يدخلها فى قشرة جوزة على ذلك العظم. يقول الفقير قد ثبت الله ان الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة فتكون أضعاف

صفحة رقم 343

ما كانت عليه على ان وسعة الدارين تابعة لكثرة أهلهما ووسعتهم لانه ثبت ان ضرس الكافر مثل جبل أحد وجسمه مسيرة ثلاثة ايام فاذا كان جسد كل كافر على هذا الغلظ والعظم فاعتبر منه وسعة جهنم فقرص الشمس فى النار كجوزة فى وسط بيت واسع ولا يعرف حد الدارين الا الله تعالى وَإِذَا النُّجُومُ جمع نجم وهو الكوكب الطالع وبه شبه طلوع النبات والرأى فبقيل نجم النبت والرأى نجما ونجوما فالنجم اسم مرة ومصدر اخرى انْكَدَرَتْ اى تناثرت وتساقطت بالسرعة كما قال وإذا الكواكب انتثرت والأصل فى الانكدار الانصباب فان السماء تمطر يومئذ نجومها فلا يبقى فى السماء نجم الا وقع على وجه الأرض وذلك ان النجوم على ما روى ابن عباس رضى الله عنهما فى قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور وتلك السلاسل بأيدى ملائكة من نور فاذا مات من فى السموات ومن فى الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيديهم لانه مات من يمسكها وفيه اشارة الى طى ضوء شمس الروح الذي هو الحياة وقبضه عن البدن وإزالته وتناثر نجوم الحواس العشر الظاهرة والباطنة وايضا الى تكوير الوجود الإضافي المنعكس من الوجود المطلق الحقيقي عند ظهور الحقيقة والى اضمحلال نجوم الهويات وهياكل الماهيات بحيث لا يبقى لها اثر لانها نسب عدمية واعتبارات محضة وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ رفعت عنه وجه الأرض وأبعدت عن أماكنها بالرجفة الحاصلة لا فى الجو كالسحاب فان ذلك بعد النفخة الثانية والسير المضي فى الأرض والتسبير ضربان باختيار وارادة من السائر نحو هو الذي يسيركم وبقهر وتسخير كتسيير الجبال وفيه اشارة الى جبال الأعضاء والجوارح الراسيات سيرت عن أرض تعيناتها وأيضا الى جبال الأنواع والأجناس الواقعة فى عالم التعينات وَإِذَا الْعِشارُ جمع عشراء كنفاس ونفساء وليس فعلاء يجمع على فعال غير عشراء ونفساء كما فى القاموس والعشراء هى الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر وهو اسمها الى أن تضع لتمام السنة وهى أنفس أموال العرب ومعظم اسباب معاشهم عُطِّلَتْ العطل فقد ان الزينة والشغل ويقال لمن يجعل العالم بزعمه فارغا عن صانع أتقنه وزينه ورتبه معطل وعطل الدار عن ساكنيها والإبل عن راعيها والمعنى وإذا العشار تركت مسيبة مهملة غير منظور إليها مع كونها محبوبة مرغوبة عند أهلها لاشتغال أهلها بأنفسهم وذلك عند مجيئ مقدمات قيام الساعة فان الناس حينئذ يتركون الأموال والاملاك ويشتغلون بأنفسهم كما قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون وقال الامام أبو الليث وغيره هذا على وجه المثل لان فى القيامة لا تكون ناقة عشراء يعنى ان هول القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه لعلهم جعلوا يوم القيامة ما بعد النفخة الثانية أو مبادى الساعة من القيامة لكن يمكن وجود العشراء فى المبادي فلا يكون تمثيلا وفيه اشارة الى النفوس الحاملات أحمال الأعمال والأحوال وأيضا الى تعطيل عشار الأرجل المتنفع بها فى السير عن الاستعمال فى المشي وترك الانتفاع بها وَإِذَا الْوُحُوشُ قال فى القاموس الوحش حيوان البر كالوحيش والجمع وحوش ووحشان والواحد وحشي قال ابن الشيخ

صفحة رقم 344

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية