إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا قوله عز وجل: إذا السماءُ انشَقّتْ وهذا من أشراط الساعة، قال عليّ رضي الله عنه: تنشق السماء من المجرة، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محذوف الجواب وتقديره: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير وشر. الثاني: أن جوابه كادح إلى ربك كدحاً. الثالث: معناه أذكر إذا السماء انشقت. وأَذِنَتْ لِرّبها وحُقّتْ معنى أذنت لربها أي سمعت لربها، ومنه قول
صفحة رقم 233
النبي ﷺ ما أذن الله لشيء كإذانه لنبي يتغنى بالقرآن أي ما استمع الله لشيء، وقال الشاعر:
| (صُمٌّ إذا سَمِعوا خيْراً ذُكِرتُ به | وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندهم أَذِنوا) |
| (فإن تكُنْ العُتْبى فأهْلاً ومرحبا | وحُقّتْ لها العُتبى لديْنَا وَقَلَّت.) |
(إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه). وأَلقْتْ ما فيها وتَخلّتْ فيه وجهان: أحدهما: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت عمن على ظهرها من الأحياء، قاله ابن جبير. الثاني: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها، وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: هو أعم، أنها ألقت ما استوعدت، وتخلت مما استحفظت لأن الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً. يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربك كدْحاً فملاقيه فيه قولان: أحدهما: إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك، قاله يحيى بن سلام، ومنه قول الشاعر:
| (ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ | وَبقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ) |
الذي يحاسب حساباً يسيراً، فقال: (يعرف عمله ثم يتجاوز عنه، ولكن من نوقش الحساب فذلك هو الهالك.) الثالث: أنه العرض، روى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله: فسوف يحاسب حساباً يسيراً فقال: (ذلك العرض يا عائشة، من نوقش في الحساب يهلك). وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِه مَسْروراً قال قتادة: إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه وسلامته. إنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب، يقال: حار يحور، إذا رجع، ومنه الحديث: (أعوذ بالله من الحْور بعد الكْور، ) يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وروي: (بعد الكوْن)، ومعناه انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكْون فقال: الرجل يكون صالحاً ثم يتحول امرء سوء. وقال ابن الأعرابي: الكُنْنّي: هو الذي يقول: كنت شاباً وكنت شجاعاً، والكاني: هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب وكان لي خيل وكنت أركب، وأصل الحور الرجوع، قال لبيد:
| (وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه | يَحُورُ رماداً بَعْد إذ هو ساطعُ.) |
للقصار حواري لأن الثياب ترجع بعمله إلى البياض. بلى إنّ ربّه كان به بَصيراً يحتمل وجهين: أحدهما: مشاهداً لما كان عليه. الثاني: خبيراً بما يصير إليه.
صفحة رقم 237النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود