ﭨﭩﭪﭫ

المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن الإنسان لم يترك سدى، ولم يخلق عبثا نبهه إلى الدليل الواضح على صحة معاده، وأنه لا بد أن يرجع إلى ربه ليجازيه على ما عمل، فذكره بنفسه، ولفت نظره إلى كيفية خلقه ومنشئه، وأنه خلق من الماء الدافق الذي لا تصوير فيه، ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء وغيرها، ثم أنشأه خلقا كاملا مملوءا بالحياة والعقل والإدراك، قادرا على القيام بالخلافة في الأرض.
فالذي خلقه على هذه الأوضاع قادر أن يعيده إلى الحياة في يوم تتكشف فيه المستورات، وتبين الخفايا، فيكون إبداؤها زينا في وجوه بعض الناس، وشينا في وجوه بعض آخرين، وليس للمرء حينئذ قوة يدفع بها عن نفسه ما يحل به من العذاب. ولا ناصر يعينه على الخلاص من الآلام.
شرح المفردات : دافق : أي منصبّ بدفع وسيلان وسرعة، والصلب : الظهر، والترائب : عظام صدر المرأة، والمراد من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وقال الحسن وروي عن قتادة : يخرج من صلب كل واحد من الرجل والمرأة، وترائب كل منهما وهو الموافق لما أثبته العلم حديثا كما سيأتي
ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله :
خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب أي خلق من ماء مدفوق يخرج من الظهر والترائب لكل من الرجل والمرأة، فهو إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة ووقع في رحم المرأة.
والخلاصة : إن الولد يتكون من مني مدفوق من الرجل، فيه جرثومة حية دقيقة لا ترى إلا بالآلة المعظمة ( الميكروسكوب )، ولا تزال تجري حتى تصل إلى جرثومة نظيرتها من جراثيم المرأة وهي البويضة، ومتى التقت الجرثومتان اتحدتا وكونتا جرثومة الجنين.
وقد استفتيت في نظرية الحمل وكيفية تكوين الجنين النطاسي البارع عبد الحميد العرابي بك وكيل مستشفى الملك سابقا، فأجابني حفظه الله بما يأتي :
كيفية حصول الحمل ونمو الجنين في الرحم :
قال الله تعالى : فينظر الإنسان مم خلق* خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب ، وقال أيضا : ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى [ الحج : ٥ ].
اعلم أخي وفقك الله أن في هاتين الآتين وما شاكلهما من الآيات سرا من أسرار التنزيل ووجها من وجوه إعجازه، إذ فيهما معرفة حقائق علمية تأخر العلم بها والكشف عن معرفتها وإثباتها ثلاثة عشر قرنا.
بيان هذا : أن صلب الإنسان هو عموده الفقري ( سلسلة ظهره ) وترائبه هي عظام صدره، ويكاد معناها يقتصر على حافة الجدار الصدري السفلي.
وإذا رجعنا إلى علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب، وذهب فيها المفسرون مذاهب شتى على قدر ما أوتي كل منهم من علم، وإن كان بعيدا عن الفهم الصحيح والرأي السديد.
ذاك أنه في الأسبوع السادس والسابع من حياة الجنين في الرحم ينشأ فيه ما يسمى ( جسم وولف وقناته ) على كل جانب من جانبي العمود الفقري، ومن جزء من هذا تنشأ الكلى وبعض الجهاز البولي، ومن جزء آخر تنشأ الخصية في الرجل والمبيض في المرأة.
فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلي ويقع بين الصلب والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع.
ومما يفسر لنا صحة هذه النظرية أن الخصية والمبيض يعتمدان في نموهما على الشريان الذي يمدهما بالدم، وهو يتفرع من الشريان الأورطي في مكان يقابل مستوى الكلى الذي يقع بين الصلب والترائب، ويعتمدان على الأعصاب التي تمد كلا منهما وتتصل بالضفيرة الأورطية ثم بالعصب الصدري العاشر، وهو يخرج من النخاع من بين الضلع العاشر والحادي عشر، وكل هذه الأشياء تأخذ موضعها في الجسم فيما بين الصلب والترائب.
فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني وفي ضبط شؤونهما بالأعصاب قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم، وجاء به رب العالمين، ولم يكشفه العلم إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب.
هذا، وكل من الخصية والمبيض بعد كمال نموه يأخذ في الهبوط إلى مكانه المعروف فتهبط الخصية حتى تأخذ مكانها في الصفن، ويهبط المبيض حتى يأخذ مكانه في الحوض بجوار بوق الرحم.
وقد يحدث في بعض الأحيان ألا تتم عملية الهبوط هذه، فتقف الخصية في طريقها ولا تنزل إلى الصفن، فتحتاج إلى عملية جراحية حتى تصل إلى وضعها في الموضع الطبيعي.
هذا، والإنسان يبدأ حياته جنينا، والجنين يتكون من تلقيح بويضة تخرج من المبيض مندفعة نحو بوق الرحم بالحيوان المنوي الذي تفرزه خصية الرجل، ويكون التلقيح في الغالب في داخل أحد البوقين أو فيهما معا، ثم تسير البويضة في طريقها إلى الرحم حتى تستقر في قرار مكين إلى أجل مسمى.
هذا إذا صادفها أحد الحيوانات المنوية، أما إذا أخطأها التلقيح فتكون ضمن الإفرازات الرحمية التي تطرد في خارج الجسم.
ومما يلاحظ أن إفراز البويضات عند المرأة هو عملية فسيولوجية شهرية لا علاقة لها بالاجتماع الجنسي، غير أن هذا الاجتماع ضروري لعملية التلقيح بالحيوان المنوي الذي يسبح في ماء الرجل.
ومما سبق تعلم أن الماء الدافق يكون من كل من الرجل والمرأة، أما ماء الرجل فيتكون من الحيوانات المنوية وسوائل أخرى تفرزها الخصية والبروستاتة والحويصلات المنوية، وهذه السوائل كلها جعلت مباءة ومستقرا للحيوان المنوي الذي بدونه لا يتم التلقيح.
وهكذا الحال في البويضات التي يفرزها مبيض المرأة، فإنها بعد أن تكون في المبيض على شكل حويصلة صغيرة تسمى حويصلة ( جراف ) تنمو وتبلغ أشدها في نحو شهر حتى تقترب من المبيض ثم تنفجر كما تنفجر الفقاعة وتندفع منها البويضات مع السائل الذي خرج من الفقاعة على البوق حيث يقابلها حيوان منوي يقوم بعملية التلقيح- وكلا الماءين ماء الرجل وماء المرأة دافق، أي ينصبّ مندفعا، وهذا هو الحاصل فعلا.
ومن هذا يتبين بوضوح أن الإنسان خلق ونشأ من الماء الدافق ( ماء الرجل وأهم ما فيه الحيوان المنوي ؛ وماء المرأة وأهم ما فيه البويضة ) الذي ينصب مندفعا من عضوين هما الخصية والمبيض، ومنشؤهما وغذاؤهما وأعصابهما كلها بين الصلب والترائب.
وقد ثبت في علم الأجنة أن البويضة ذات الخلية الواحدة تصير علقة ذات خلايا عدة، ثم تصير العلقة مضغة ذات خلايا أكثر عددا، ثم تصير المضغة جنينا صغيرا وزعت خلاياه إلى طبقات ثلاث يخرج من كل طبقة منها مجموعة من الأنسجة المتشابهة في أول الأمر، فإذا تمّ نموها كونت جسم الإنسان.
وإذا هدى الفكر إلى كل هذا في مبدإ خلق الإنسان، سهل أن نصدق بما جاء به الشرع وهو البعث في اليوم الآخر، لأن خلق الإنسان من أجزاء منتشرة متفرقة في الكون ؛ فالماء متولد من الأطعمة التي يتناولها الإنسان، فجمعها الله، ثم جمع الأبوين، ثم جمع ماءهما في مكان واحد، ثم خلق منه الولد، وليس في إعادته مثل ذلك، فهي أهون، ومن ثم قال : خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير