ثم يقول الله تعالى للمؤمن : يا أيتها النفسُ يخاطبه تعالى إكراماً له بلا واسطة، أو على لسان ملك، المطمئنةِ بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بَلَج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل : المطمئنة، أي : الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده : قراءة مَن قرأ : يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت : ارجعي إِلى ربك .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا دُكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكاً بعد دكٍّ، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي : ظهر وتجلّى للعيان، والملَك صفاً صفاً، أي : وجاءت الملائكة صفوفاً، وجيء يومئذٍ بجهنم، أي : بنار البُعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكّر الإنسانُ ما فاته من المجاهدة وصُحبة أهل الجمع، وأنَّى له الذكرى مع إقامته في الفَرْق طول عمره، يقول : يا ليتني قدمتُ لحياتي ؛ رُوحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذٍ يتولى الحق تصرُّفه في عباده بقدرته، فيُعَذِّب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويُقيدهم بقيود البين، ثم يُنادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية : يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك ؛ إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة : أنَّ صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأنَّ مَن كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمَن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي : النفس المطمئنة هي التي صدرت مِن نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القِدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. هـ. والنفوس ثلاثة : أمّارة، ولوّامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم : اللاّمة. والله تعالى أعلم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله.