كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ١ ( ٢١ ) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا( ٢٢ ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ٢ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى( ٢٣ ) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ( ٢٤ ) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٣ ( ٢٥ ) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٤ ( ٢٦ ) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ( ٢٧ ) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً( ٢٨ ) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ( ٢٩ ) وَادْخُلِي جَنَّتِي( ٣٠ ) [ ٢١- ٣٠ ].
وفي الآيات تنبيه زجري وردعي لما سوف يكون في يوم القيامة، حيث تندك الأرض اندكاكاً شديداً، ويقف الله لمحاسبة الناس والملائكة من حوله صفوفاً، وتهيأ جهنم لمستحقيها. وحينذاك يتذكر الإنسان الذي اقترف الأفعال السيئة الباغية ويتمنى أن لو قدم بين يديه الخير والعمل الصالح. ولكن الذكرى لن تنفعه لأنه أضاع وقتها والتمني لن يغني عنه شيئا. وحينذاك يصير إلى العذاب ولن يكون له مفلت منه، ولن يكون له فيه بدليل، ويوثق بالأغلال ولن يوثق محله بديل عنه.
أما المؤمنون الصالحون ذوو النفوس الطيبة المطمئنة بما قدمت فيهتف بهم بأن لهم من ربهم الرضاء التام، وبأن مكانهم هو بين عباده الصالحين الأبرار وبأن منزلهم هو الجنة.
والصلة بين هذه الآيات وسابقاتها ملموحة ؛ حيث يتبادر أنها تعقيب عليها بقصد بيان ما يكون من مصير الذين يقترفون الأفعال السيئة التي ذكرت في الآيات السابقة بعض نماذجها، وأسلوب الآيات عام مطلق أيضا مثل سابقاتها.
ولقد تكررت في القرآن كثيراً حكاية ما سوف يصدر من الكفار ومقترفي الآثام من ندم وحسرة على ما فعلوه حينما يرون مصيرهم الرهيب يوم القيامة، وقد مرّ مثل هذا في سورة المدثر بأسلوب آخر، كما تكرر الإنذار بأنه لن يغني في الآخرة أحد عن أحد. والمتبادر أن هذا الأسلوب مع ما ينطوي عليه من حقيقة إيمانية مغيبة قد استهدف فيما استهدفه إثارة الندم والخوف في هذه الفئة وحملها على الارعواء قبل فوات الفرصة والندم حيث لا ينفع الندم.
ولقد تكرر في القرآن ذكر وقوف الناس بين يدي الله يوم القيامة أو مجيئه لذلك واصطفاف الملائكة حوله في مشهد الحساب والجزاء يوم القيامة بأساليب متنوعة. والمتبادر أن هذا مع وجوب الإيمان به وكونه في النص من قدرة الله ومع وجوب تنزيه الله عز وجل من مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم قد استهدف التأثير بالسامعين ؛ لأنهم بخطورة المشهد القضائي الأخروي العظيم، قد اعتادوا في الدنيا عقد مجالس قضائية لمحاكمة المجرمين وعقوباتهم. وقد يكون الشأن في هذا هو مثل وصف الجنة والنار بأوصاف اعتادها الناس في الدنيا للتقريب والتمثيل والتأثير في السامعين على ما شرحناه قبل.
ولهذا لا نرى طائلاً من التزيد الذي يتزيده بعض المفسرين في صدد هذه المشاهد، ونرى وجوب البقاء في حدود ما جاء عنها في القرآن والسنة الثابتة، مع ملاحظة ذلك الهدف الذي ذكرناه والذي جاء وصف المشاهد الأخروية بأوصاف الدنيا من أجله.
ولقد أولنا جملة وجاء يومئذ بجهنم بما أولناها به لأن هذا هو الأكثر وروداً من معناها.
والمتبادر أن الآيات الثلاث الأخيرة قد رمت إلى ذكر مصير الصالحين في الآخرة للمقابلة بمصير الآثمين الباغين مما جرى عليه الأسلوب القرآني كثيراً. وهي قوية رائعة بهتافها وتلقينها و روحها، حيث تنطوي على الإشارة بطمأنينة النفس وما سوف يلقاه صاحبها من التكريم والرضاء عند الله. ولعل مما تنطوي عليه ويتصل بموضوع الآيات السابقة وخاصة الآيتين [ ١٥- ١٦ ] تلقين التخلق بخلق الاطمئنان والرضى وعدم الاضطراب بتبدل ظروف الحياة عسراً ويسراً، وكون هذا هو ما يجب أن يكون عليه الإنسان العاقل في حالتي العسر واليسر. وهذا الخلق من أقوى المشجعات على مواجهة أحداث الحياة بقلب قوي ونفس رضية والتغلب على صعابها. ومن أوتيه فقد أوتي خيراً كثيراً، وصار جديراً بهذا النداء الرباني المحبب النافذ إلى الأعماق. وواضح أن الآيات تلهم أن مثل هذا الخلق وأثره لا يكون إلا فيمن شع في نفسه الإيمان واستشعر بعظمة الله وقدرته الشاملة، وأسلم النفس والأمر إليه، ولم يتوان مع ذلك في القيام بواجبه نحوه ونحو الناس على كل حال.
وآيات السورة وأسلوبها كما قلنا لا تحتوي مواقف جدل مع أشخاص بأعيانهم، وهي بسبيل إنذار عام وتوجيه عام ونقد عام حيث يصح أن يقال عنها ما قلناه عن سورة الفاتحة والأعلى والليل.
التفسير الحديث
دروزة