إذن : هم أعلنوا التوبة بعد أن اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وقالوا : لا نحل أنفسنا حتى يحلّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا : خذ من أموالنا صدقة لتطهرنا ؛ كل هذا جعل هناك حدا فاصلا بين ماض ندموا عليه، ومستقبل يستأنفونه قد ولد الآن. وبدأت صفحت جديدة، فهل أنتم ستسيرون على مقتضى هذه التوبة أم لا ؟.
ولا تظنوا أن أموركم ستكون في الخفية بل ستكون في العلن أيضا، أما أموركم الخفية فسيعلمها الله ؛ لذلك قال : فسيرى الله . أما الأمور التي تحتاج لفطنة١ النبوة فالرسول صلى الله عليه وسلم بفطرته سيراها بنوره في سلوككم. أما الأمور الظاهرة الأخرى فسيراها المؤمنون
نحن هنا أمام ثلاثة أعمال : عمل يراه المؤمنون جميعا، فالتزموا بهذا المنهج حتى يشهد لكم المؤمنون بما يرون من أعمالكم، وإياكم أن تخادعوا المؤمنين ؛ لأن رسول الله بفطنته ونورانيته وصفائه وشفافيته سيعرف الخديعة، أما إن كانت المسألة قد تتعمّى على المؤمنين وعلى الرسول، فالله هو الذي يعلم.
وقل اعملوا أي : اعملوا عملا جديدا يناسب اعترافكم بذنوبكم، ويناسب إعلانكم التوبة، ويناسب أنكم ربطتم أنفسكم في المسجد، ويناسب أنكم تصدقتم بالأموال، عمل تستأنفون به حياتكم بصفحة جديدة، واعلموا أننا سنرقب عملكم، لله يرقبه فيما لا يعلمه البشر، وهو النيّات، ورسول الله يعلمه فيما يطابق نورانيته وإشراقه. والمؤمنون يعلمونه في عاديات الأمور٢. وهذه الرؤية من الله ومن الرسول ومن المؤمنين لا تكون لها قيمة إلا إذا ترتب عليها الجزاء ثوابا أو عقابا، فهي ليست مجرد رؤية، بل إن الرائي يملك أن يثيب أو يعاقب. وأنكم راجعون إليه لا محالة. " وإذا كنتم في الدنيا تعيشون في الأسباب التي يعيش فيها الكافر والمؤمن، ويعيش فيها الطائع والعاصي، فهناك عالم الغيب الذي يملكه الله وحده : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( ١٦ ) ( غافر ).
إذن : سيعامل التائب معاملة جيدة، مادام قد تاب، فلعله بسبب الغفلة التي طرأت عليه فأذنب ؛ غفل عن اليوم الآخر، فيحتاج إلى تجديد التذكير بالإيمان.
لذلك قال : وقل اعملوا الله عملكم ورسوله والمؤمنون .
قوله سبحانه( فسيرى ) ذكر الفعل مرة واحدة، فالرؤية واحدة ملتحمة بعضها ببعض لتروا هل أنتم على المنهج أو لا ؟.
وستردون إلى عالم الغيب والشهادة أما عالم الغيب فانفرد به الله سبحانه، وأما عالم الشهادة فالرسول سوف يعلم عنكم أشياء، وكذلك المؤمنون يعلمون أشياء، وربما عالم بالكل. وسبحانه لا يجازي على مجرد العلم، بل بنية كل إنسان بما فعل، وسبحانه يقول :
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( ١٤ ) ( الإسراء ).
ولذلك ينهي الحق هذه الآية بقوله :
فينبئكم بما كنتم تعملون وهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم، وربطوا أنفسهم في السواري، وتصدقوا بالأموال، وأعطى الله فيهم حكمه بأن جعل رسول الله هو من يحل وثاقهم من السواري، وقبل منهم الصدقات ؛ ليسوا وحدهم، فهناك أناس آخرون فعلوا نفس الأمر لكنهم لم يربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ولا اعترفوا بذنوبهم، لذلك يجيء قوله الحق :
وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم( ١٠٦ ) .
٢ عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لو لأن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان" أخرجه أحمد في مسنده (٣/٢٨) والحاكم في مستدركه (٤/٢١٤) وصححه وأقره الذهبي. وكذا أخرجه ابن حيان (١٩٤٢- موارد الظمآن). وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى نور الله" روى عن خمسة من الصحابة-فيما وقفت عليه-وكلها لا تسلم من مقال. ومنها حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي في سننه (٣١٢٧) وقال: غريب. فيه مصعب بن سلام. للحديث طرق وروايات أخرى..
تفسير الشعراوي
الشعراوي