١٠٢ - قال الله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن كعب بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يحدث حين تخلف عن قصة تبوك فواللَّه ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى يومي هذا كذبًا، وأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) - إلى قوله - (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزول الآيات فمنهم من ساق الحديث بطوله، ومنهم من أشار إليه إشارة، ولم يسقه بتمامه، ومن هؤلاء الطبري والبغوي وابن
العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور.
قال القرطبي: (وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن) اهـ.
وقال ابن عاشور: (والتعريف في (الثلاثة) تعريف العهد، فإنهم كانوا معروفين بين الناس وهم كعب بن مالك من بني سَلِمة، ومرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أُمية الواقفي من بني واقف، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا. ونهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس عن كلامهم، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ثم عفا عنهم بعد خمسين ليلة، وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في صحيح البخاري مسلم طويل أغر) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآيات الكريمة ما جاء في قصة كعب بن مالك وصاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لصحة السند، وموافقة السياق القرآني، وإجماع المفسرين عليه والله أعلم.
* * * * *
الجزء الثاني
صفحة رقم 617المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني