ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخونكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمن ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظلمون ( ٢٣ ) [ التوبة : آية ٢٣ ].
سبب نزول هذه الآية الكريمة أنه كان رجال من المسلمين يؤمنون بالله ويريدون الهجرة، فإذا أراد الواحد منهم أن يهاجر إلى رسول الله ليشارك المسلمين فيما فيه من الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله جاءته امرأته وأولاده وأبوه وأخوه يناشدونه بالله ألا يذهب عنهم، ويقولون له : إلى من تكلنا ؟ ويثبطونه فبعضهم يمكث من أجل هذا. فنهاهم الله عن هذا، وسيأتي في سورة التغابن آية التغابن النازلة في عوف بن مالك الأشجعي، وهي قوله : إن من أزوجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم [ التغابن : آية ١٤ ] لأنها نزلت في عوف بن مالك، كان كلما أراد الهجرة جاءت امرأته وأولاده وناشدوه بالله، وقالوا : إلى من تكلنا ؟ فيتثبط، فلما هاجر بعد ذلك وجد المسلمين سبقوه بكل خير، فندم وأراد أن يضرب امرأته وأولاده بسبب تثبيطهم إياه. فأمر الله المسلمين أن يتحفظوا من الأولاد والأزواج لئلا يثبطوهم عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم إن وقع منهم شيء أن لا يؤاخذوهم، بل يعفوا عنهم ويصفحوا ١، كما قال في آية التغابن : إن من أزواجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم [ التغابن : آية ١٤ ] ثم قال : إن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم أي : اصفحوا عنهم واغفروا لهم ولا تؤاخذوهم. وهذا معنى قوله : يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخونكم [ التوبة : آية ٢٣ ] قالوا : لم يذكر الأولاد هنا وذكرها في غير هذا الموضع، لا تتخذوهم أولياء توالونهم إذا كانوا يريدون أن يقطعوكم عن الهجرة.
إن استحبوا الكفر على الإيمن قرأ الهمزة الثانية من قوله : أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمن نافع وابن كثير وأبو عمرو مسهلة بين بين، والباقون بتحقيقها كما هو معلوم ٢.
ومعنى استحبوا الكفر معناه : اختاروه وآثروه على الإيمان، إن آثروا الكفر واختاروه على الإيمان لا تتخذوهم أولياء، بل قاطعوهم وهاجروا ولا تركنوا إليهم. ويتعدد في القرآن إطلاق ( استحب ) بمعنى :( اختار ) و ( آثر ) ومنه قوله : وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى [ فصلت : آية ١٧ ] أي : فاختاروه وآثروه عليه. ومنه قوله : الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الأخرة [ إبراهيم : آية ٣ ] أي : يؤثرونها ويقدمونها عليها. وهذا معنى قوله : إن استحبوا الكفر على الإيمن ومن يتولهم منكم [ التوبة : آية ٢٣ ] فيكون معهم فيما هم فيه ويترك الهجرة فأولئك هم الظلمون .
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٣ أن أصل مادة ( الظلم ) مادة الظاء واللام والميم، ( ظلم ) أنها في لغة العرب التي نزل بها القرآن أصلها في الوضع العربي : هو وضع الشيء في غير محله. فمن وضع شيئا في غير محله تقول العرب : إنه ظلم ؛ لأنه وضع الشيء في غير محله. ومنه قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب : " ظالم " ؛ لأنه وضع الضرب في غير محله ؛ لأنه يفسد زبده، ومنه قول الشاعر ٤ :

وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم
وقول الآخر ٥ :
وصاحب صدق لم تردني شكاته ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر
أصل الظلم هو وضع الشيء في غير محله، وجاء في القرآن في موضع واحد بمعنى النقص، وهو : كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [ الكهف : آية ٣٣ ] أي : ولم تنقص منه شيئا. وأصل الظلم وضع الشيء في غير محله، وأعظم أنواع وضع الشيء في غير محله : الكفر بالله ؛ لأنه وضع للعبادة في غير من خلق، فالذي يأكل رزق الله، ويتقلب في نعيمه، ويعبد غيره قد وضع عبادته في غير موضعها، فهو ظالم، وهذا أكبر أنواع الظلم ؛ ولأجل هذا يكثر في القرآن العظيم إطلاق الظلم على الكفر، كما قال تعالى : والكفرين هم الظلمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] وقال تعالى : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين ( ١٠٦ ) ، إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] وقد ثبت في صحيح البخاري ٦ أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر قوله تعالى : الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم [ الأنعام : آية ٨٢ ] قال : بشرك. ثم تلا آية لقمان : يبني لا نشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم هذا أصل الظلم. وقد يكون ظلم دون ظلم ؛ لأن من أطاع الشيطان وعصى ربه بغير ما يكفر به قد وضع الطاعة في غير موضعها، ووضع المعصية في غير موضعها حيث عصى ربه وأطاع عدوه. ومن كفر بالله وضع العبادة في غير موضعها ؛ ولذلك هنالك ظلم هو كفر، وهنالك ظلم دون ظلم هو خروج عن طاعة الله لا يبلغ بصاحبه الكفر، وهذا معنى قوله : فأولئك هم الظلمون لأنهم وضعوا الأمر في غير موضعه فاتخذوا من يضرهم أولياء، وتركوا ما ينفعهم من الهجرة والجهاد في سبيل الله. وهذا معنى قوله : فأولئك هم الظلمون .
١ الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة التغابن. حديث رقم (٣٣١٧) (٤/ ٤١٩)، والحاكم (٢/ ٤٩٠)، وابن جرير (٢٨/ ١٢٥) وانظر: صحيح الترمذي (٣/ ١٢١)..
٢ انظر: الإتحاف (٢/ ٨٩)..
٣ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
٤ السابق..
٥ السابق..
٦ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير