ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله [ التوبة : آية ٤٥ ] قد تقرر عند جماهير العلماء أن ( إنما ) أداة حصر، والصحيح أن ( إنما ) أداة حصر كما حرره علماء الأصول في مبحث ( دليل الخطاب ) أعني ( مفهوم المخالفة ) والبلاغيون في مبحث ( القصر ) (١) ف ( إنما ) أداة حصر. يعني : لا يستئذنك هذا الاستئذان الذي يراد به التخلف عن الجهاد والقعود لأعذار كاذبة.
إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله الذين لا يصدقون بالله ولا يؤمنون باليوم الآخر فلا يرغبون فيما عند الله، ولا يخافون عذاب الله.
وقوله : وارتابت قلوبهم شكت قلوبهم. ف وارتابت معناه : شكت. والتاء فيه تاء الافتعال. وأصل حروفه الأصلية : الراء في محل الفاء، والياء في محل العين، والباء في محل اللام، أصل المادة ( ريب ) ب ( راء ) ف ( ياء ) ف ( باء ) والتاء تاء الافتعال، وأصلها ( وارتيبت قلوبهم ) (٢) أي : داخلها الريب. أصل الريب في لغة العرب معناه الإزعاج والإقلاق. هذا أصل معناه الأصلي، تقول العرب : رابه الأمر. إذا أزعجه وأقلقه. وهذا هو معناه الحقيقي، ومنه قول توبة بن الحمير الخفاجي (٣) :
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت وقد رابني منها الغداة سفورها
أي : أزعجني وأقلقني، وكلما جاء الريب في القرآن والارتياب فمعناه الشك على كل حال. وإنما سمي الشاك مرتابا وأطلق اسم الريب على الشك لأن الشاك لا تطمئن نفسه إلى طرف الإيجاب، ولا إلى طرف السلب، فهو تارة يميل إلى الإيجاب، وتارة يميل إلى السلب، فنفسه منزعجة قلقة ليست مطمئنة إلى الثبوت ولا إلى النفي. ومعنى وارتابت قلوبهم شكت قلوبهم والعياذ بالله. وأسند الارتياب إلى القلوب لأن القلب هو محل الإدراك الذي يكون فيه الشك، ويكون فيه اليقين، ويكون فيه العلم والإدراك. وهذا الارتياب سيبينه لهم المؤمنون يوم القيامة كما يأتي بيانه في سورة الحديد ؛ لأنه سيأتي في سورة الحديد – إن شاء الله – أن كل من كان يقول : لا إله إلا الله في دار الدنيا يعطيه الله نورا، فيكون عند المنافقين نور، وعند المؤمنين نور، فإذا – مثلا – اشتد الأمر وصار الناس في فصل الخطاب انطفأ نور المنافقين وبقوا في ظلام دامس، وعند ذلك يقول المؤمنون : ربنا أتمم لنا نورنا [ التجريم : آية ٨ ] ويقول المنافقون للمؤمنين : انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظهره من قبله العذاب [ الحديد : آية ١٣ ] فإذا ضرب ذلك السور بين المنافقين والمؤمنين قال المنافقون للمؤمنين : ألم نكن معكم [ الحديد : آية ١٤ ] ألم نكن معكم في دار الدنيا ؟ وكنا نحضر معكم المساجد والغزوات، ونأتي معكم المواطن ؟ قالوا بلى كنتم معنا ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وهذا محل الشاهد. ذلك الارتياب الذي قال عنهم هنا : وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون [ التوبة : آية ٤٥ ] هو من الأسباب التي تجعلهم يوم القيامة وراء السور – والعياذ بالله -.
وقوله : فهم في ريبهم أي : فهم في شكهم يترددون أي : يذهبون حائرين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، يذهبون ويرجعون، يتوجهون إلى الإيمان مرة ويكفرون مرة ( والعياذ بالله جل وعلا ). وهذا معنى قوله : وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .

١ مضى عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الأعراف..
٢ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ١٣٣، ٣٩١، ٣٩٣..
٣ مضى عند تفسير الآية (٢) من سورة الأعراف..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير