ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه : الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وهم : المنافقون، وذكر الإيمان بالله أوّلا، ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين، لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله.
قوله : وارتابت قُلُوبُهُمْ عطف على قوله : الذين لاَ يُؤْمِنُونَ وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو : الشك. قوله : فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ أي : في شكهم الذي حلّ بقلوبهم يتحيرون، والتردّد : التحير. والمعنى : فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله : عَفَا الله عَنكَ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ الثلاث الآيات، قال : نسخها : فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ .
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال : فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ . وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور : إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ إلى إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ . فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله : ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : فَثَبَّطَهُمْ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله : ولأَوْضَعُواْ خلالكم قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : ولأَوْضَعُوا خلالكم قال : لأرفضوا يَبْغُونَكُمُ الفتنة يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله : وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَلاَ تَفْتِنّي قال : لا تخرجني أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : وَلاَ تَفْتِنّي قال : لا تؤثمني أَلا فِي الفتنة قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية