ثم ينزل الله حكمه في هؤلاء فيقول :
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ( ٤٥ ) .
وهكذا أصدر الله حكمه فيمن أقدموا على الاستئذان، فما دام الإنسان قد تردد بين أن يخرج للجهاد أو لا يخرج، فهذا يكشف عن اهتزاز إيمانه، وهذا الاهتزاز يعني وجود شك في نفسه، فيما أعد الله له في الآخرة ؛ لأنه كان واثقا في داخله يقينا أنه سيدخل الجنة بلا حساب إن استشهد، ما تردد ثانية واحدة، ولا أدار الأمر في رأسه هل يذهب أو لا يذهب ؟ فما دامت الجنة هي الغاية، فأيّ طريق موصل إليها يكون هو الطريق الذي يتبعه من في قلبه يقين الإيمان، وكلما كان الطريق أقصر كان ذلك أدعى على فرح الإنسان المؤمن ؛ لأنه يريد أن ينتقل من شقاء الدنيا إلى نعيم الآخرة، حتى ولو كان يحيا في نعيم في الدنيا، فهو يعرف أنه نعيم زائل وهو لا يريد هذا النعيم الزائل، بل يريد النعيم الباقي الذي لا يزول.
والتردد والاستئذان هنا معناهما : أن الشك قد دخل في قلب الإنسان، ومعنى الشك-كما نعلم- هو وجود أمرين متساويين في نفسك لا يرجح أحدهما حتى تتبعه. والنسب الكلامية والقضايا العقلية تدور بين أشياء متعددة، فأنت حين تجزم بحكم فلا بد أن يكون له واقع يؤيده ؛ لأنكر إن جزمت بشيء لا واقع له فهذا جهل، والجهل-كما نعلم- أن تعتقد أن شيئا ما هو حقيقة، وهو غير ذلك ولا واقع له. فإذا أنت على سبيل المثال قلت : إن الأرض مبسوطة، ثم جاءوا لك بصورة الأرض كروية وأصررت على أنها مبسوطة، فهذا جهل وإصرار عليه. وفرق بين الجاهل والأمي، فالأمي الذي لم يكن يعرف أن الأرض كروية، ثم علم حقيقة العلم وصدقها فهو متى عرف الواقع صدقه وآمن به. ولكن الجاهل يؤمن بما يخالف الواقع. فإن جئت له بالحقيقة أخذ يجادل فيها مصرا على رأيه. ولذلك نجد مصيبة الدنيا كلها ليست في الأميين، ولكن من الجهلة لأن الأمي يحتاج إلى مجهود فكري واحد، أن تنقل له المعلومة فيصدقها، أما الجاهل فإقناعه يقتضي مجهودين : الجهد الأول : أن تخرج ما في عقله من معلومات خاطئة، وأوهام ليست موجودة في الواقع، والجهد الثاني : أن تقنعه بالحقيقة.
وإذا كان هناك واقع في الحياة تستطيع أن تدلل عليه فهذا هو العلم. فإن لم تستطع التدليل عليه فهذا هو التلقين، والمثال : أننا حين نلقن الطفل الصغير أن الله أحد، وهو لم يبلغ السن التي تستطيع عقليا أن تدلل له فيها على ذلك. ولكنك قلت له : إن الله أحد، وجزم بها الطفل، وهذه حقيقة واقعة، ولكنه لا يستطيع أن يدلل عليها. وهو في هذه الحالة يقلد أباه أو أمه أو من لقنه هذا الكلام حتى ينضج عقله ويستطيع أن يدلل على ما اعتقده في صغره بالتلقين.
إذن : فالعلم يقتضي أن تؤمن بقضية واقعة عليها دليل، ولكن إن كنت لم تصل إلى مرحلة الجزم ؛ تكون في ذهنك نسبتان ؛ وليست نسبة واحدة. فإن لم ترجح نسبة على الأخرى، فهذا هو الشك. وإن ظننت أنت أن أحدهما راجحة فهذا هو الظن، فإن أخذت بالنسبة الراجحة فهذا هو الوهم.
الحق سبحانه وتعالى يقول :
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولو استقر في قلوبهم الإيمان اليقيني بالله وباليوم الآخر، وأن مردهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأنهم سوف يحاسبون على ما قدموا، واعتبروا أن تضحيتهم بالمال والنفس عمل قليل بالنسبة للجزاء الكبير الذي ينتظرهم في الآخرة، لو كان الأمر كذلك لما استأذنوا، ولكن ما دام الشك قد دخل قلوبهم فمعنى هذا أن هناك ريبة في أمر ملاقاة الله في اليوم الآخر. وهل هذا الأمر حقيقة يقينية ؟ ولأنهم يرتابون في هذه المسألة فهل يضحون بأموالهم وأنفسهم من أجل لا شيء، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى : وارتابت قلوبهم .
إذن : فالارتياب محله القلب، والعلم أيضا محله القلب، ويمر كل من الارتياب والعلم على العقل ؛ لأن العقل هو الذي يصفّى مثل تلك المسائل بعد أن يستقبل المحسّات ويناقش المقدمات والنتائج، فإن صفّى العقل هذه الأمور واستقر على الإيمان، هنا يصبح الإيمان قضية يقينية ثابتة مستقرة في القلب، ولا تطفوا مرة أخرى إلى العقل لتناقش من جديد، ولذلك سمّوها عقيدة، أي عقدت الشيء حتى يستقر في مكانه ولا يتزحزح.
إن الطفل-مثلا- إن قرّب يده إلى شيء مشتعل فأحس بلسعة النار. هنا يعرف أن النار محرقة ولا يحاول تكرار نفس التجربة، ولا يناقشها في عقله ليقول : لن تلسعني النار في هذه المرة، بل تستقر في ذهنه المسألة، وتنتقل من قضية حسية إلى قضية عقدية لا تخضع للتجربة من جديد ولا يحتاج فيها إلى دليل.
وهنا يقول الحق سبحانه : وارتابت قلوبهم ، وفي آية أخرى يقول سبحانه : ختم الله على قلوبهم والقلب هو محل القضايا التي انتهت من مرحلة التفكير العقلي، وصارت قضايا ثابتة لا يبحثها العقل من جديد.
وقوله هنا وارتابت قلوبهم معناه : أن الإيمان عندهم لم يصل إلى المرتبة التي لا يطفوا فيها مرة أخرى للتفكير العقلي.. أيؤمن أو لا ؟، أي : لم يصل إلى مرتبة اليقين، بل مازال في مرحلة الشك الذي يعيد القضايا من القلب إلى العقل لمناقشتها من جديد، ولذلك يصفهم الحق سبحانه وصفا دقيقا فيقول : فهم في ريبهم يترددون أي : أن الإيمان عندهم يتردد بين العقل والقلب، فينزل إلى القلب ثم يطفو إلى العقل ليناقش من جديد، ثم ينزل إلى القلب مرة أخرى، وهكذا يتردد الأمر بين العقل والقلب، ولا يستقر في مكان، وهم بذلك على غير يقين من الآخرة، وما أعد الله لهم فيها من جزاء. ويشكّون في لقاء الله في اليوم الآخر. ويريد الله سبحانه وتعالى أن يوضح لنا الصورة أكثر فيقول :
{ ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين( ٤٦ ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي