سبب النزول
نزلت هذه الآيات في رجال من المنافقين : نبتل بن الحارث ؛ وجد بن قيس، ومعتب بن قشير ؛ عاهدوا الله ورسوله : لئن أغناهم الله من فضله ؛ ليسارعن إلى إخراج الصدقة، وصلة الرحم، والحج، والزكاة، وسائر القربات والطاعات.
فلما أعطاهم الله المال بخلوا به، ونقضوا العهد وأعرضوا عن النفقة وعن الإسلام، وعن تكليف الله وأوامره.
فزادهم الله نفاقا في قلوبهم إلى يوم الحساب في الآخرة أي : ماتوا منافقين.
قصة مشهورة لكنها غير صحيحة
هناك قصة مشهورة بين الناس، تروى سبب نزول هذه الآيات، رددتها كتب التفسير كما وردت في كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي.
بيد أن هذه القصة لم تصح لدى المحدثين.
وهي ما أخرجه الطبراني وابن مردوية وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، بسند ضعيف عن أبي أمامة : أن ثعلبة بن حاطب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال عليه الصلاة والسلام، " يا ثعلبة، قليل تؤدى حقه من كثير لا تطيقه ".
فذهب ثم عاد فقال : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا ؛ لأعطين كل ذي حق حقه ؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فاتخذ غنما فنمت وكثرت حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة.
ثم أنزل الله على رسوله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . ( التوبة : ١٠٣ ).
فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقات رجلين، وكتب لهما كتابا، فأتيا ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، فارجعنا حتى أرى رأيي ؛ فنزلت فيه وفي أمثاله تلك الآيات.
وأخرج ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس : نحوه.
فجاء ثعلبة بالزكاة ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ".
ثم جاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، ثم جاء إلى عمر في خلافته فلم يقبلها، ومات في زمان عثمان رضي الله عنه.
والحقيقة : أن ما روى عن ثعلبة هذا غير صحيح لدى المحدثين، وثعلبة بدرى أنصارى، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان.
قال ابن عبد البر : ولعل قول من قال في ثعلبة : إنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح والله أعلم.
وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية : أن ثعلبة بن حاطب أبطأ عنه ماله بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك المال لأتصدقنّ منه ولأصلن منه، فلما سلم بخل بذلك، فنزلت. وهذا أيضا غير صحيح١١٨.
وعلماء الحديث ضعفوا نسبة هذه الآيات إلى ثعلبة ؛ لأسباب تتعلق بسند الحديث، وبصاحب القصة لأنه شهد بدرا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال :" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ؛ فقد غفرت لكم " ١١٩.
والآيات في محتواها تنطبق على المنافقين، وعلى كل من يقابل نعم الله بالكفران ؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
" هذا بيان لحال طائفة من أولئك المنافقين، الذين أغناهم الله ورسوله من فضله، بعد الفقر والإملاق، ويوجد مثلهم في كل زمان، وهم الذين يلجئون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه ؛ إذ هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم، فإذا استجاب الله لهم، نكسوا على رءوسهم، ونكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق، وهذا مثل من شر أمثالهم ". ا هـ.
المفردات :
سرهم : أي : ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق.
نجواهم : أي : ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين.
التفسير :
٧٨ – ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب .
والاستفهام في أول الآية للتوبيخ والتهديد والتقريع.
والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله مطلع على ما يخفونه في صدورهم من النفاق، وما يتناجون به أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، وأن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم ؛ فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو عالم بالسر والنجوى، وهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ويعلم ما ظهر وما بطن، هو سبحانه يعلم كل ذلك، ويعلم ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه. فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به ؟ !
ما يؤخذ من الآيات
من الأحكام والآداب التي أخذها من هذه الآيات ما يأتي :
١ – وجوب الوفاء بالعهد ؛ فإن نقض العهود، وخلف الوعد، والكذب على الله ؛ يورث النفاق فإذا عاهد المؤمن ربه في أمر ؛ فليجتهد في الوفاء به.
٢ – أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة في ذلك، وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول الصدقة من ثعلبة أو غيره، بما كانت للأسباب الآتية :
( أ ) إهانته ؛ ليعتبر غيره به، فلا يتخلف أحد عن إخراج الزكاة في وقتها.
( ب ) ربما جاء بها على وجه الرياء ؛ خوفا من الفضيحة، ومن كلام الناس، وأعلم الله رسوله بذلك فلم يقبل منه الصدقة.
( ج ) الزكاة لتطهير النفوس وتزكيتها، ولعل هذا لم يكن حاصلا في ثعلبة أو غيره ؛ فلهذا امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول تلك الصدقة.
٣ – النفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله ؛ فينبغي أن نوطّن النفس على طاعة الله، وأن نجبرها إجبارا على مخالفة الهوى والشيطان، وإيثار ما عند الله على كل شيء من حطام الدنيا.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة