ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين، فقال : وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أي : من القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة، وأن يراد تمامها ؛ وقيل : هي هذه السورة : أي سورة براءة، و «أن » في أَنْ آمِنُواْ بالله مفسرة لما في الإنزال من معنى القول، أو مصدرية حذف منها الجارّ : أي : بأن آمنوا، وإنما قدّم الأمر بالإيمان، لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان : استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ أي : ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولاً، كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصمّ : الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم، إذ لا عذر لهم في القعود وَقَالُواْ ذَرْنَا أي اتركنا نَكُنْ مَّعَ القاعدين أي : المتخلفين عن الغزو من المعذورين، كالضعفاء والزمنى.
وأخرج ابن ماجه، والبزار، وابن جرير، وابن مردويه، عن جابر، قال : مات رأس المنافقين بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل الله : وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ .
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مرديه، عن ابن عباس، في قوله : أُوْلُواْ الطول قال : أهل الغنى. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس، في قوله : رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف قال : مع النساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في الآية قال : رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال : الخوالف النساء.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني