ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا الاشتراء في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه : الاستبدال، فكل أحد استبدل شيئا من شيء تقول العرب : اشتراه، فالاشتراء في لسانها يتناول كل استبدال كائنا ما كان، ومن هذا المعنى قول الراجز (١) :

بدلت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا
كما اشترى المسلم إذ تنصرا
أي : كما تبدل المسلم، إذا أخذ النصرانية بدل الدين.
والثمن في لغة العرب : تطلقه على كل عوض كائنا ما كان، تسميه العرب ثمنا. أما إطلاق ( الشراء ) على الثمن والمثمن، وتسميه المبيع ( مثمنا )، والمدفوع فيه ( ثمنا ) فهو اصطلاح خاص للفقهاء في البيوع. ومن إطلاق ( الشراء ) على الاستبدال و( الثمن ) على كل عوض في اللغة العربية قول علقمة بن عبدة التميمي (٢) :
والحمد لا يشترى إلا له ثمن مما تضن به النفوس معلوم
ومن هذا المعنى قول اين أبي ربيعة المخزومي (٣) :
إن كنت حاولت دنيا أو قمت لها ماذا أخذت بترك الحج من ثمن
أي : من عوض يخلفه لك. وهذا معنى اشتروا بئايت الله استبدلوا بآيات الله الشرعية – التي هي هذا القرآن العظيم – تركوها وتعوضوا منها ثمنا قليلا. واختلف العلماء بالمراد بهذا الثمن القليل (٤)، فقال جماعة من العلماء : هي نزلت في قوم من الأعراب الذين كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم أبو سفيان بن حرب، وأطعمهم أكلة، ونقضوا العهود بسبب ذلك. وهذا قاله جماعة كثيرة من المفسرين في هذه الآية وهو مستبعدا جدا ؛ لأن هذه الآية من براءة نزلت بعد إسلام أبي سفيان ؛ لأن أبا سفيان أسلم عام الفتح عام ثمان، وهذه نزلت عام تسع.
وقال بعض العلماء : هي في اليهود ؛ لأنهم هم الذين تبدلوا الرشا من بيان الحق، وهو ضعيف أيضا.
والتحقيق – إن شاء الله – أن المعنى : أن الكفار تبدلوا من آيات الله والعمل بما جاء عن الله ثمنا قليلا من متاع الحياة الدنيا، وهو – مثلا – عدم التقيد بالشرع، وبقاؤهم على ما كانوا عليه، واتباعهم أهواءهم، كما قال ( جل وعلا ) : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله [ البقرة : آية ٩٠ ] فتعوضوا من هذا اتباعهم هواهم وبقاءهم على ما كانوا عليه ؛ لأنه أحب إليهم. وهذا شيء تافه تعوضوا منه سعادة الدنيا والآخرة. وهذا معنى قوله : اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا .
فصدوا عن سبيله الظاهر أن ( صد ) (٥) هنا هي المتعدية، والمفعول محذوف. أي : فصدوا عن سبيله ؛ لأن صدودهم في أنفسهم معلوم من قوله : اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا لأن من اشترى بآيات الله ثمنا قليلا فهو صاد عن سبيل الله، فبين أنهم ضلال بقوله : اشتروا بئايت الله ثمنا وبين أنهم مضلون بقوله : فصدوا عن سبيله أي : صدوا غيرهم عن سبيل الله ( جل وعلا ).
والسبيل : معناه الطريق. وسبيل الله : دين الإسلام ؛ لأنه طريق الله التي أمر بها ووعد الجزاء الحسن لمن اتبعها ؛ ولذا سميت :( سبيل الله ) أي : طريقه التي يدعو إليها، والتي توصل إلى رضاه، وإلى نيل ما عنده من الكرامة.
وقد قدمنا أن ( السبيل ) تذكر وتؤنث (٦)، فمن تذكيرها في القرآن : قوله تعالى : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه [ الأعراف : آية ١٤٦ ] برجوع الضمير مذكرا على السبيل. ومن تأنيث السبيل : هذه سبيلي أدعوا إلى الله [ يوسف : آية ١٠٨ ] ولم يقل : " هذا سبيلي أدعو إلى الله ".
وهذا معنى قوله : فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون [ التوبة : آية ٩ ].
ساء : فعل جامد لإنشاء الذم. هو بمعنى ( بئس ) ؛ لأن ( ساء ) بمعنى ( بئس ) وتعمل عمل ( بئس ) (..... ) (٧).
و ( ما ) إذا جاءت بعد ( بئس ) أو ( نعم ) قال بعض العلماء : يجوز أن تكون نكرة مميزة للفاعل الذي هو الضمير المحذوف، ويجوز أن تكون هي فاعل ( بئس ) و( ساء ) و( نعم ) (٨). وهذا معنى قوله : إنهم ساء ما كانوا يعملون فعلى أنها مميزة فالتقدير :( ساء هو ) أي : بئس هو شيئا كانوا يعملونه. وعلى أنها فاعل فالأمر واضح. وهذا معنى قوله : إنهم ساء ما كانوا يعملون .
١ مضى تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة..
٢ مضى تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة..
٣ السابق..
٤ انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥٠)، البغوي (٢/ ٢٧١)، القرطبي (٨/ ٨٠)..
٥ مضى تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف..
٦ مضى تفسير الآية (٥٥، ١١٦) من سورة الأنعام..
٧ في هذا الموضع كلمة غير واضحة..
٨ انظر: التوضيح الكامل (٢/ ١١٧)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير