بسم الله الرحمان الرحيم
لا أقسم بهذا البلد١( ١ ) وأنت حل٢ بهذا البلد( ٢ ) ووالد وما ولد٣( ٣ ) لقد خلقنا الإنسان في كبد٤( ٤ ) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد( ٥ ) يقول أهلكت مالا لبداً٥ ( ٦ ) أيحسب أن لم يره أحد( ٧ ) ألم نجعل له عينين( ٨ ) ولسانا وشفتين( ٩ ) وهديناه النجدين٦( ١٠ ) [ ١-١٠ ].
في الآيات توكيد تقريري وتنديدي بأسلوب القسم ؛ لما جبل عليه الإنسان من طبيعة المشاقة والمكابدة، والاعتداد بقوته وماله ظانّاً أنه لا يراه أحد ولا يقدر عليه أحد، في حين أن الله قد جعل له عينين ولسانا وشفتين تشهد عليه ويستطيع بها أن يميز الخير من الشر، وفي حين أن الله بين له معالم طريقي الخير والشر، وأن الأجدر به أن لا يغتر ولا يعتد ولا يشاقق، وأن يختار أفضل الطرق وأقومها.
وقد روى بعض المفسرين : أنها نزلت بمناسبة موقف مكابرة وتبجح وقفه أبو الأسد بن كلدة أحد زعماء مكة وأغنيائها وفاخر فيه بما أنفقه من مال في مناوأة رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وصحة الرواية محتملة، غير أن أسلوب الآيات عام مطلق، ويتبادر أن الموقف المروي كان مناسبة لنزول الآيات متضمنة تنديدا عاما بمثل خلق هذا الزعيم وموقفه، وهذا ما يلحظ في مناسبات كثيرة.
تلقينات آيات سورة البلد الأولى
والآيات في جملتها قد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى سواء في تنديدها بخلق المشاقة والمشاكسة، أم بخلق التباهي بالمال والاعتداد بالنفس بحيث يظن المرء أنه أمنع من أن ينال بسوء وأقوى من أن يقدر عليه أحد، وكذلك في تذكيرها ما في الإنسان من مواهب وقوى أودعها الله فيه من الواجب أن يستعملها في ما هو الأفضل والأقوى والأهدى.
تعليق على آيتي ألم نجعل له عينين٨ ولسانا وشفتين
وقد ذكرنا معنيين لآيات ألم نجعل له عينين٨ ولسانا وشفتين وهما أن هذه الجوارح أوجدها الله في الإنسان لتشهد على أفعاله أو تجعله يميز بين الخير والشر. والمعنى الأول قد ورد بصراحة في آيات أخرى مثل آية سورة النور هذه : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون٢٤ وآية سورة فصلت هذه : حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ مما سوف نعلق عليه موضوعيا في مناسبة الآيات المذكورة.
التفسير الحديث
دروزة