قوله : والنهار إِذَا جَلاَّهَا ، الفاعل : ضمير النهار.
وقيل : عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها » أي : كشفها، فمن قال : هي «الشمس »، فالمعنى : أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال : هي «الظلمة »، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك : أضحتْ باردةً، تريد : أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال : هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله : حتى تَوَارَتْ بالحجاب [ ص : ٣٢ ].
قوله :«إذَا تَلاهَا »، وما بعده فيه إشكال ؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال ؛ لأنه إنشاء، و«إذا » ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا » وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال١ : فإن قلت : الأمر في نصب «إذَا » معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك :«مررت أمس بزيد واليوم عمرو »، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت : الجواب فيه : أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول :«ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً »، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب » الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان٢ : أما قوله في واوات العطف :«فتنصب وتجر »، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله :«فتقع في العطف على عاملين »، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك : مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً ؛ وأنشد سيبويه في كتابه :[ الطويل ]
| ٥٢١٩- فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا | صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا٣ |
وقوله في نحو قولك :«مررت أمس بزيد واليوم عمرو »، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية :«مررت بزيد أمس وعمرو اليوم » ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله :«على استكراه »، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى : والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى [ الليل : ١-٣ ] :«الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك : مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء ».
وأما قوله :«إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل اطراحاً كلياً » فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول :«أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم ».
وأما قوله :«والواوات العواطف نوائب عن هذا » إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال : والذي يقول : إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا » بعد الإقسام، كقوله تعالى : والنجم إِذَا هوى [ النجم : ١ ]، والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ [ المدثر : ٣٣، ٣٤ ]، والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا [ الشمس : ٢-٤ ]، وما أشبهها ف «إذا » ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف ؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه معمول لذلك الفعل [ فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً ]٤، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره : والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا ».
قال شهاب الدين٥ : المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين » ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله : والنهار إِذَا جَلاَّهَا - هاهنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار » والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا » الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق ؟ !.
وأما قوله :«وأنشد سيبويه » إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله : أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله : فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله : بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله : ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول : بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [ الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم ]٦ بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه » إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل » ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة » جوابه : يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
٢ البحر المحيط ٨/٣٧٤..
٣ البيت للنابغة الجعدي ينظر ديوانه ص ٥٠، وأمالي المرتضى ١/٢٦٨ وجمهرة أشعار العرب ٢/٧٨٥، وشرح أبيات سيبويه ١/٢٤١، والكتاب ١/٦٤ وخزانة الأدب ٧/١٨١، والمقتضب ٤/١٩٤، ٢٠٠..
٤ سقط من أ..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٥٢٩..
٦ سقط من ب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود