خبر مقدم لقوله نارٌ مُؤْصَدَةٌ اى نار أبوابها مغلقة فلا يفتح لهم باب فلا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح ابد الآباد الا انها جعلت صفة للنار اشعارا بإحاطتهم فاصل التركيب مؤصدة الأبواب فلما تركت الاضافة عاد التنوين إليها لانهما يتعاقبان من أوصدت الباب من المعتل الفاء وآصدته بالمد من المهموز مثل آمن إذا أطبقته وأغلته وأحكمته فمن قرأها مؤصدة بالهمزة جعلها اسم مفعول من آصدت ومن لم يهمزها أخذها من او صدت مثل او عد فهو موعد وذلك موعد ويحتمل ان يكون من آصد مثل آمن لكنه قلبت همزته الساكنة واو الضمة ما قبلها للتخفيف وكان ابو بكر بن عباس راوى عاصم يكره الهمزة فى هذا الحرف ويقول لنا امام يهمز مؤصدة فاشتهى ان اسد أذنى إذا سمعته وكانه لم يحفظه عن شيخه إلا بترك الهمزة وقد حفظه حفص بالهمزة وهو اضبط للحرف من ابى بكر على ما نقله القراء وان كان ابو بكر اكبر وأتقن وأوثق عند اهل الحديث وفيه اشارة الى ان نار
الحجاب والخذلان والخسران مؤصدة على نفس الامارة تمت سورة البلد بعون الله الأحد فى خامس الثاني من الربيعين سنة سبع عشرة ومائة وألف
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة اوست عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
وَالشَّمْسِ سوكند ميخورم بآفتاب وَضُحاها اى ضوئها إذا طلعت وقام سلطانها وانبسط نورها يعنى سوكند بتابش وى چون بلند كردد وبموضع چاشت رسد. يقال وقت الضحى اى وقت اشراق الضوء فالضحى والضحوة مشتقان من الضح وهو نور الشمس المنبسط على وجه الأرض المضاد للظل وفيه اشارة الى الاقسام بشمس الروح وضوئها المنتشر فى البدن الساطع على النفس وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها من التلو بمعنى التبع اى إذا تبعها بان طلع بعد عروبها آخذا من نورها وذلك فى الصف الاول من الشهر قال الراغب تلاه تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء فى الحكم ومصدره تلو وتلو وتارة بالقرءان وتدبر المعنى ومصدره تلاوة ثم قال قوله والقمر إذا تلاها فانما يراد به هاهنا الاتباع على سبيل الاقتداء والمرتبة وذلك انه فيما قبل ان القمر يقتبس النور من الشمس وهولها بمنزلة الخليفة قيل وعلى هذا قوله وجعل الشمس ضياء والقمر نورا والضياء على مرتبة من النور إذ كل ضياء نور دون العكس وفيه اشارة الى قمر القلب إذا تلا الروح فى التنور بها وإقباله نحوها واستضاءته بنورها ولم يتبع النفس فيخسف بظلمتها قال شيخى وسندى روح الله روحه فى كتاب اللائحات البرقيات له ان الشمس آية للحقيقة الالهية الكمالية الاكملية واشارة إليها والقمر آية للحقيقة الانسانية الكمالية الاكملية واشارة إليها فكما ان القمر منذ خلقه الله الى يوم القيامة كان مجلى ومظهر التجلي نور الشمس وظهوره فى الليل حتى يهتدى به ارباب الليل فى الظلمات الليلة فى سيرهم وسلوكهم فى طرق مقاصدهم فكذلك الحقيقة الانسانية الكمالية الاكملية
منذ خلقها الله الى ابد الآبدين كانت مجلى ومظهرا لتجلى نور الحقيقة الالهية الكمالية الاكملية وظهوره فى الكون حتى يهتدى به ارباب الكون فى ظلمات الكون عند سلوكهم وسيرهم فى العوالم والأطوار الكونية نزولا عند السير الى عالم الإمكان وعروجا عند السلوك الى عالم الوجوب فكما ان القمر يفنى من نوره ونفسه بالنمام فى نور الشمس ونفسها بحيث لا يبقى اثر من نوره ونفسه عند المقارنة والمواصلة الحاصلة بينهما بالتوجه الشمسى القابض والإقبال الجاذب عليه ويبقى مع نوره ونفسه اى جرمه بالكمال وبنور الشمس ونفسها بحيث لا يفنى شىء من نوره ونفسه عند المقابلة والمفارقة الكاملة الحاصلة بينهما بالإرسال الى نفسه والبسط الى نوره مرارا وكرارا دائما وباقيا الى يوم القيامة فكذلك الحقيقة الانسانية الكمالية الاكملية تفنى من نورها وتعينها فى نور الحقيقة الالهية الكمالية الاكملية وتعينها بالتمام بحيث لا يبقى لها اثر ما أصلا عند الوصلة الالهية الحاصلة فى مرتبة الذات الاحدية الجمعية المطلقة بالقبض والجذب من نورها وتعينها الى نورها وتعينها الأزلي الابدى السرمدي وتبقى مع نورها وتعينها بنورها بحيث لا يفنى منها اثر أصلا عند الفرقة الكونية الحاصلة فى مرتبة المظهرية الكثرتية الفرقية المقيدة بالبسط والإرسال الى نورها وتعينها مرارا وكرارا ابدا سرمدا وعند تجلى النور الشمسى والإلهي وظهوره فى القمر والإنسان الكامل تدريجا الى حد الكمال يكمل بقاؤهما وعند استتاره واختفائه عنهما تدريجا ايضا الى حد التمام يتم فناؤهما وفناؤهما على هذا الوجه من قبض جلال الحق سبحانه وبقاؤهما على ذلك النمط من بسط جماله تعالى والله يقبض ويبسط دائما من مرتبة كماله الذاتي بيدي جلال كماله وجماله بل يداه مبسوطتان كلانمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انتهى كلامه قدس الله سره فان قلت إذا هاهنا ليست بشرطية لعدم جوابها لفظا او تقديرا حتى يعمل فيها فتكون ظرفا مطلقا فلا بد لها من عامل وهو فى المشهور اقسم المقدر وهو إنشاء فيكون للحال وإذا للاستقبال ولا اجتماع بينهما فلا تكون ظرفا ووقتا له قلت إذا فى أمثال هذا المقام للتعليل اى اقسم بالقمر اعتبارا بتلوها وبالنهار اعتبارا بتجليته الشمس وبالليل اعتبارا بغشيانه إياها كما تقول أشهدك على هذا حيث كنت صالحا متدينا اى لاجل ذلك كذا فى بعض التفاسير وقال فى القاموس إذا تجيئ للحال وذلك بعض القسم مثل والليل إذا يغشى والنجم إذا هوى انتهى فيكون بمعنى حين فاعرف وَالنَّهارِ هو نور الشمس الذي ينسخ ظل الأرض بمحو ظلمة الليل إِذا جَلَّاها اى جلى الشمس يعنى هويدا كرد. فانها تتجلى عند انبساط النهار واستيفائه تمام الانجلاء فكأنه جلاها مع انها التي تبسطه يعنى لما كان انتشار الأثر وهو زمان ارتفاع النهار زمانا لانجلاء الشمس وكان الجلاء واقعا فيه أسند فعل التجلية اليه اسنادا مجازيا مثل نهاره صائم او جلى الظلمة او الدنيا او الأرض وان لم يجرلها ذكر للعلم بها وفيه اشارة الى نهار استيلاء نور الروح وقيام سلطانها واستواء نورها إذا جلاها وابرزها فى غاية الظهور كالنهار عند الاستواء فى تجلية الشمس وَاللَّيْلِ هو ظل الأرض الحائلة بين الشمس وبين ما وقع عليه ظلمة
صفحة رقم 441روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء