ﮀﮁﮂﮃﮄ

قوله : إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ » وجهان :
أحدهما : أنه مفعول له قال الزمخشري١ :«ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى ؛ لأن المعنى : لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة ». وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال : ونصب على تأويل : ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني : أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ » وهذه قراءة العامة، أعني : النصب، والمد.
وقرأ يحيى٢ : برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ » ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من » مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم ؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري٣ بالوجهين : النصب ؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم :[ البسيط ]

٥٢٣٠- أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ٤
وقول القائل في الرفع :[ الرجز ]
٥٢٣١- وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ٥
وفي التنزيل : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ [ النساء : ٦٦ ].
وقال مكي :«وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في «ابتغاء » على البدل في موضع «نعمة »، وهو بعيد ».
قال شهاب الدين٦ :«كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية ».
وقرأ ابن أبي٧ عبلة :«ابتغا » بالقصر.

فصل في سبب نزول الآية


روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال : عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول : أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :«أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا »، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ - رضي الله عنه - :«يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في الله »ِ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له : أتبيعني بلالاً ؟ قال : نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رضي الله عنه - لا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ ، أي : عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ » أي : مزية ومنّةٍ «تُجْزَى » بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى٨.
قال بعضهم : المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم : لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب٩.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة ]١٠.
١ السابق ٤/٧٦٥..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٧٩، والدر المصون ٦/٥٣٦..
٣ الكشاف ٤/٧٦٤..
٤ ينظر الكشاف ٤/٧٦٤، والقرطبي ٢٠/٦٠، والبحر ٨/٤٧٩ والدر المصون ٦/٥٣٦..
٥ البيت لجران العود، واسمه عامر بن الحارث. ينظر الديوان ص ٥٣ والكتاب ١/٤٥٣، ٢/٣٢٢، و المقتضب ٢/٦١٩، ٣٤٦، ٤١٤، وابن يعيش ٢/٨٠، ١١٧، ٧/٥٢، والأشموني ٢/١٤٧، والتصريح ١/٣٥٣، والهمع ١/٢٢٥، ٢/١٤٤ والدرر اللوامع ١/١٩٢، ٢/٢٠٢، والعيني ٢/١٠٧، ومعاني القرآن للفراء ٣/٢٧٣ والكشاف ٤/٧٦٤، والبحر ٨/٤٧٩، والقرطبي ٢٠/٦٠، والدرر المصون ٦/٥٣٦..
٦ الدر المصون ٦/٥٣٦..
٧ ينظر: البحر المحيط ٨/٤٧٩، والدر المصون ٦/٥٣٦..
٨ ينظر تفسير البغوي ٨/٤٧٩، والدر المصون ٦/٥٣٦..
٩ ينظر : الفخر الرازي ٣١/١٨٧..
١٠ سقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية