إنّ مع العسر يسرا ٦ قيل : التنكير لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء والصحيح أنه استئناف وعده بأن العسر مشفوع بيسر آخر لما روى عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان مرسلا أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبشروا قد جاءكم اليسر إنه لن يغلب عسر يسرين ) رواه ابن مردويه بإسناد ضعيف عن جابر، وله شاهد موقوف على رواه مالك الموطأ والحاكم وقال : هذا أصح طرقه، قال البغوي : قال ابن مسعود : لو كان في جحر لطلبه اليسر حتى يدخله، إنه لن يغلب عسر يسرين. قال أهل العربية : إن الكلمة إذا أعيدت معرفة فالثانية عين الأولى سواء كانت أولى معرفة أو نكرة ؛ لأن الأصل في اللام العهد، وإذا أعيدت نكرة فالثانية غير الأولى سواء كانت أولى معرفة أو نكرة ؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التكرير والتأكيد، قال في تنقيح الأصول : إن أقر بألف مقيدا بصك مرتين يجب الألف وإن أقر به منكرا يجب ألفان عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يتحد المجلس، قلت : معنى إذا قامت القرينة أن المراد بالثاني هو الأول. فإن قيل : هذا قول مدخول فيه فإنه إذا قال الرجل إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا لا يوجب أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنان ؟ قلنا : نعم إذا قامت القرينة أن الثانية هي الأولى يحمل على الاتحاد، ومثال الفارس والسيف من هذا القبيل، وأما الآية فإنه تصلح التأويلين لكن ما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم هو التأويل الصحيح، وقال البغوي ما حاصله إن المراد بالآية أن مع العسر الواحد يسران لكن لا لتكرير النكرة بل لأجل أن قوله تعالى : مع العسر يسرا متصل بما سبق ليسليه ووعده النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالسير والغنى في الدنيا عاجلا بعد الفقر الذي كان فيه، ثم أنجز ما وعد وفتح عليه القرى ووسع ذات يده حتى كان يعطي من الإبل ويهب الهبات المسنية.
وقوله : فإنّ مع العسر يسرا ٥ كلام مبتدأ يدل عليه بقرينة عن الفاء والواو وهذا وعد لجميع المؤمنين ومجازه أن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسر في الآخرة، فصار للنبي صلى الله عليه وسلم مع عسر واحد يسران : يسر في الدنيا ويسر في الآخرة، وقوله :( لن يغلب عسر يسرين )، فإنه وإن غلب يسرا واحدا وهو اليسر في الدنيا فلن يغلب يسر الآخرة البتة وهو قوي أبدي، قال البغوي رحمه الله : جعل اللام في العسر للعهد وفي الثاني للجنس والله تعالى أعلم، فبعض المفسرين قالوا : المراد بالعسر الفقر والشدة والبلاء من المشركين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه واشتكى منه إلى ربه، والمراد باليسر الأول زوال تلك الحالة بنصر الله تعالى والغنى بعد الفقر، وقال البيضاوي : المراد بالعسر ضيق الصدر والوزر المتقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم، وباليسر الأول شرح الصدر ووضع الوزر والتوفيق للاهتداء والطاعة، وأما اليسر الثاني فالمراد به عند كلهم ثواب الآخرة، قالوا : معنى الكلام أن بعد العسر يسرا وإنما أورد مع موضع بعد مبالغة في معاقبة اليسر للعسر واتصاله به اتصال المتقاربين، وعندي المراد بالعسر التوجه إلى الخلق في مقام النزول الموجب للحزن والغم والمراد باليسر الأول التوجه إلى الخالق في عين مقام النزول فإن الصوفي في تلك الحالة وإن كان في بادي النظر معرضا من الله تعالى متوجها إلى الخلق لكنه في الحقيقة ليس بمعرض عنه تعالى بل مقبل إليه أيضا واتسع صدره للتوجيهين جميعا بل التوجه إلى الخلق لما كان بإذن الله وعلى حسب أمره ومرضاته فهو أيضا في الحقيقة توجه إلى الله سبحانه، ومن ثم سمى هذا اليسر السير من الله بالله فعلى هذا كلمة ( مع ) في قوله تعالى : فإن مع العسر يسرا بمعناه الحقيقي بمعنى المقارنة، وأما كلمة ( مع ) في الجملة الثانية فلا شك أنه على المجاز كما قالوا، ومعنى الكلام على هذا التأويل لا تحزن فإن مع العسر والتوجه إلى الخلق الموجب لحزنك سرا وتوجها إلى الخالق ليست محجوب عنه الآخرة وخلوص التوجه إلى الله تعالى في الآخرة من غير شائبة حجاب وغيبة.
التفسير المظهري
المظهري