ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتأكيداً، فقال : مكرّراً له بلفظ إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرّر من أنه إذا أعيد المعرّف يكون الثاني عين الأوّل سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأوّل في الغالب، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية :«لن يغلب عسر يسرين » قال الواحدي : وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال الزجاج : ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى : إن مع العسر يسرين. قيل : والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرّر. قرأ الجمهور بسكون السين في العسر، واليسر في الموضعين. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو جعفر وعيسى بضمها في الجميع.
وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى به. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ الآية، قال : لا يذكر الله إلاّ ذكر معه. وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :«كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله جحر، فقال :«لو دخل العسر هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» فأنزل الله : إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ولفظ الطبراني :«وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً * إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ». وأخرج ابن النجار عنه مرفوعاً نحوه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً مرفوعاً نحوه قال السيوطي وسنده ضعيف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعاً :«لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول : إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً » قال البزار : لا نعلم رواه عن أنس إلاّ عائذ بن شريح. قال فيه أبو حاتم الرازي : في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرّة عن رجل عن عبد الله بن مسعود. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك، ويقول : لن يغلب عسر يسرين ، إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً » وهذا مرسل. وروي نحوه مرفوعاً مرسلاً عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله : فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب الآية قال : إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وارغب إليه. وأخرج ابن مردويه عنه قال : قال الله لرسوله : إذا فرغت من الصلاة وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود : فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب إلى الدعاء. وإلى رَبّكَ فارغب في المسألة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه : فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب قال : إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني